Thursday, 18 August 2016

وضحك الأفغان

========

الأسماء في هذه القصة مستعارة

احتفلت السيدة سيمون لتوها بعيد ميلادها الثمانين ومهرته بأعلانها عن امتلاكها لقوة عضلية غير مسبوقة. قالت إنهاأقوى من أي رجل بما فيهم (الدرقيست) ذاته، كما كان يحلو لها ان تناديني. وقالت إنها نزعة جديدة. بل أضافت أنها لم تكف عن مكابدة النزعات. قلت لنفسي، نزعات في الثمانين؟ يا له من أمر يدعو للتفاؤل!
ثم إنها أكدت مزاعمها العضلية تلك بهزيمتي على الطاولة في مباراة ثني الذراع أمام الزبونة الفيتنامية تران التي رجعت كعادتها لتسألني نفس سؤال الأمس عن الكالسيوم وكنا قد اتفقنا أنه لا ينبغي للفيتناميين ان يصابوا بهشاشة العظام، على الأقل، لصلابتهم أمام الفرنسيين والأمريكان.
لكن اهتمام سيمون المتأخر، وهو متأخر بلا شك، بالقوة العضلية ربما كان سببه الفناء الماحق للغريزة الذي أحدثه طول المكث في الحياة. قلت لها مازحاً ذلك اليوم، معك حق. فبعد ثمانين عاماً من الحياة كامرأة لابأس أن تجربي أن تكوني رجل. فنلت بذلك ضربة من قبضتها لا زلت عاجزاً عن توصيف آثارها. وأنا اصلاً ما كان يخصني ما يفعله الخواجات في صراعهم العبثي مع الموت لكونهم غافلين، غفلةً تتناسل منها المسرات، عن أن طول الحرب هو أحد مطالب الطرف الثاني الأصيلة.
دخلت سيمون الصيدلية ذلك اليوم ساخطة لانقطاع السي يستا siesta. كيف يجرؤ أحد على قطع نومتها الوجيزة المطرزة بومضات الهرمون النباتي الذي أصرفه لها مشفوعا بتمنياتي المهنية الخالصة؟ وأخذت تلعن بحرف الفاء الانجليزي مبذولاً لكل الحضور. وخصت بالذكر طيبه للحاسوب وربيبه الانترنت وكل تجليات الثورة العلمية التكنولوجية مثل، وهذه من عندي أنا، القنوات الفرنكفونية التي لا تنتظر الصغار حتى يناموا.  فلقد أرسلها زوجها العجوز مثلها لاحضار ذلك الدواء اللعين (الذي يستخدمه في الانترنت).
توجست خيفةً صيدلانيةً من أن يكون هناك دواء طلع للناس لهذا الاستخدام دون أن يكلف أحدهم نفسه عناء اخطاري به. الدواء الوحيد الذي عبر ذاكرتي على أي حال هو للاستخدام فيها أو معها هي سيمون شخصياً وليس في الانترنت.
وانتبهت للحضور.
كان اثنان من الافغان ينتظران وصفة تعد لهما فبدا أنهما يعتذران لي لانشغالهما بسذاجة مجيدة أحضراها معهما لا تسمح لهما بالنظر في أي أمر آخر. بينما تصنعت تلك الكويتية، البدون، المحجبة بعناية عابرة للبحار، قدراً من الامتعاض لانشكاح الخالة سيمون الفاضح.
حاولت أن أتذكر شكل زوج سيمون. فمساعدتي السلفادورية قوية التنسيب كقريبها الكاتب ماركيز متغيبة اليوم بفعل دورتها الشهرية الكاريبية. فهي التي تقول لي ألم تعرف هذا؟ انه زوج فلانة.  ألم تذكر هذا الرجل انه الذي أحضر علبة دواء الايدز ملوثة بدمائه ذلك اليوم، وناس الايدز يفعلون هذا حتى يتأكدوا أن مرضهم قد دخل عميقاً في دائرة الحكاوي الشعبية المخيفة.
تطلعت في بروفايله فلم تكن لدينا صورة له فهو من الذين رفضوا أن نضع صورهم على البروفايل لكي أعرف أنا فيما بعد أنه أصلاً موّسوّس في مسألة الصور. وكانت الفلاحة التي انتقلت للعمل معنا في الصيدلية قد قالت كلاماً طيباً لسيمون بالفرنسية من نوع دعيه يا شيخة معتقدة أن السيد زوج سيمون ربما كان يقوم بآخر أبحاثه المجدية في الحياة. لكنها صرخت عندما قرأت اسم الدواء على الفورم الذي طلبت منها تحضيره،
- أوه ماي قاد! السيد فنسنت يستخدم الفياغرا!
فهتفت سيمون التي ظننا أنها لم تسمع:
- وفي الانترنت يا عزيزتي!
وقبل أن أفكر في اشهار بيان خصوصية وسرية المعلومات في وجه الفلاحة، ضحكتُ، ضحكنا.
وضحك الأفغان!
-----------------
نُشرت بموقع سودان للجميع نوفمبر 2005

Sunday, 5 June 2016

!يا عم



طق، طق، طق.
شدّو فتح عيونو بصعوبة. نعسان استعدل في قعدته. بردان والسما برة العربية ماخدة اللون البنفسجي، الأحمر داك بين المغربية والليل.
طق، طق، طق.
في زول قال يا سيد وشدّو إتلفت، الزول دا واقف جنب العربية، ما أكتر من هيئة غبشا على خلفية الليل الداخل. شدو مد يدو ونزّل قزاز النافذة حبة بوصات. تثاءب وقال: هاي.
- إنت كويس يا زول؟ ولا عيان؟ كنت بتشرب؟
الصوت كان عالي، صوت مرة أو صبي.
- أنا بخير، دقيقة.
فتح باب العربية ومرق منها بيمط في عضلات يدينو وكرعينو الواجعاهو. بعدها فرك يدينو في بعض عشان يحرك الدم فيها وتدفأ.
- واو، أنت زول ضخم.
- بيقولو علي كدا، إنت منو؟
- أنا سام
- سام الولد ولا البت؟
- أنا بت. كان اسمي سامي وكنت بخت وجه ضاحك بين سام وحرف الياء، لكن بعد شوية لقيت تقريباً كل زول بيعمل كدا، فوقفتها.
- طيب يا بت الناس، كدي أمشي أقيفي هناك وخلي بالك للشارع.
- ليه؟ قاتل مجنون ولا حاجة؟
- لا. عايز أبول، عايز شوية خصوصية.
- لا، صاح. فهمتك. نو بروبلم. معاك في دي. أنا ما بقدر أعمل كدا لو في زول في الحمام ال جنبي. عندي مشكلة كبيرة بتاعت متلازمة المثانة الخجولة.
- طيب خلاص من فضلك.
البت مشت لجنبة العربية البعيدة وشدو مشى خطوتين ووقف جنب سياج مزرعة كدا وقام حل سوستة بنطلونه وبال على عمود خشبي متكول. بعدها مشى راجع للعربية. الواطة بقت ليل.
- إنتي لسع واقفة؟
- طبعاً. إنت عندك مثانة بحجم بحيرة تانا. ياخي ممالك سادت ثم بادت في الوقت الكنت بتبول فيهو. سامعاك الوقت دا كلو.
- شكراً، إنتي عايزة حاجة؟
- كنت داير أشوف انت كويس ولا مالك. يعني لو كنت ميت ولا حاجة كنت ح أتصل بالشرطة. لكن قزاز العربية كان عليه ضباب شديد فقلت إحتمال الزول دا يكون حي.
- إنتي بيتكم في الحتات دي؟
- لا. أنا بركب يا عم ماشه ماديسون.
- دي حاجة خطرة.
- لي تلاتة سنين بسوي كدا خمسة مرات في السنة وتراني عايشة. إنت ماشي على وين؟
- أنا ماشي لحدة كايرو.
- طيب شكراً. أنا ماشه ألباسو إجازة عند عمتي.
- ما بقدر أوديك لغاية هناك.
- ما ألباسو حقت تكساس، ألباسو التانية في إلينوي. كم ساعة كدا جنوباً. إنت عارف إنت وين؟
- لا. ما عندي فكرة. في مكان ما في هاي واي اتنين وخمسين.
- المدينة القدام في الطريق هي بيرو، ما ديك بتاعت أمريكا اللاتينية. ممكن أشم ريحتك. دنقر لي شوية.
قام شدو دنقر للبت عشان تشم وشو.
- أوكي. ما في ريحة شراب فيك. ممكن تسوق. أرح.
- الخلاك تتأكدي إني ح آخدك معاي شنو؟
- إني آنسة في وعسة. وإنت فارس في...، المهم. عربيتك وسخانة لكن. في واحد كاتب ليك في القزازالورا أديني غسلة.
ركب شدو العربية وفتح الباب اللي على يساره وطلع إنو العربية ما فيها نظام إنو النور يولع لما تفتح الباب. قام رد على قصة إنو في زول كتب في القزاز:
- لا مافي زول عمل كدا.
قامت البت ركبت وقالت ليهو:
- هو شنو؟ دا ما أنا ذاتي. أنا ال كتبت لما كان لسع في ضو.
دوّر شدو العربية وفتح الأنوار، واتجه على جهة الطريق السريع. قامت سام قالت ليهو من باب المساعدة:
- لف شمال.
لف شدو شمال وساق. بعد كذا دقيقة سخّان العربية اشتغل وعم العربية دفء جميل.
سام قالت:
- ياخي ما تقول حاجة.
- هل نحنا بشر؟ مخلصين للخير، أولاد مرا وراجل؟
- أكيد.
- أوكي. بس بتأكد. عايزاني أقول شنو؟
- حاجة تطمنّي في اللحظة دي. فجأة كدا داهمني إحساس (أوه شيت أنا في العربية الغلط مع زول مجنون).
- آي، الإحساس دا جاني قبل كدا، شنو ال بيطمنك؟
- بس قول هل إنت سجين هارب ولا قتال قتلة سفاح.
فكر شدو قليلاً وقال:
- تعرفي، أنا حقيقة ما النوع دا.
- لكن شكلك أديتا فكيرة كدا؟ موش؟
- حاكموني وقضيت المدة لكن ما كتلت زول.
- يا الله!
دخلوا مدينة صغيرة مضاءة بمصابيح في الشوارع، وفيها لمبات الكريسماس تفتح وتغمض وشدو أخد نظرة على يمينه. البت كان شعرها أسود، قصير، متشابك ووشها كان جذاب، وفي نفس الوقت، قرر شدو، إنو فيهو شيئ من الرجولة وملامحها ربما اتنحتت من ضخرة. وكانت هي بتعاين ليهو.
- كنت في السجن مالك؟
- عوّقت لي نفرين شديد، زعلوني.
- وكانو بيستحقو كدا؟
شدو فكر وبعدها قال: دا كان رأيي وقتها.
- بتعمل كدا تاني؟
- يا زولة لا. أنا فقدت تلاتة سنين في السجن.
- أممم، إنت فيك دم هنود حمر؟
- ما بعرف.
- شكلك كدا بس.
- آسف. خذلتك.
- ما في مشكلة. إنت ما جيعان؟
- ممكن آكل.
- بعد إشارتين كدا في محل كويس. أكل كويس ورخيص.
ركن شدو عربيته في موقف السيارات. نزلوا من العربية وما إهتم يأمن أبوابها لكنه وضع المفتاح في جيبه. مرق شوية فكة من جيبه عشان يشتري جريدة. قام سأل سام:
- بتقدري على تكلفة محل زي دا؟
- نعم، 
ورفعت حنكها وقالت:
- بدفع لي روحي.
قام شدو هز راسه وقال ليها: أقول ليك حاجة؟ ما نعملا طرة وكتابة. لو وقعت ليك طرة تدفعي لينا الإتنين لو وقعت ليك كتابة عشاك عليّ.
قالت ليهو بطريقة كأنها شكت فيه:
- بس لكن أشوف العُملة في الأول، النحاسة. أنا عمي كان عنده ريال الجهتين فيهو كتابة.
عاينت القطعة المعدنية وتأكدت إنها سليمة. قام شدو وضع القطعة وجنبة الصورة فيها هي الظاهرة على إبهامه، وغش في الرمية فقامت القطعة إتأرجحت كأنها لفت، وقام قبضها وقلبها على باطن يدو الشمال وكشفها بيده اليمين قدام سام. فقالت سام بسعادة:
- كتابة، العشا عليك.
- صاح، ما ممكن الواحد يفوز في كل المرات.
طلب شدو رغيف محشو باللحم، وطلبت سام لازانيا.
قلّب شدو الجريدة عشان يشوف هل فيها أي خبر عن نفرين ماتوا في قطر بضاعة. ما لقى خبر، القصة الوحيدة الملفتة كانت موضوع الغلاف في الجريدة المحلية، إنو البلد موبوءة بغربان بأعداد قياسية. وإنو المزارعين عايزين يعلقوا الغربان الميتة في المباني العامة عشان يخوّفوا الغربان الحية. وعلماء الطيور قالوا ليهم دا ما ح ينفع لأنو الغربان الحية ببساطة ح تقوم تأكل الغربان الماتت. لكن الأهالي مصرين إنو لما يشوفو جثث أصحابهم، بحسب رأي ناطق عنهم، الغربان ح تعرف إننا ما عايزنهم هنا.
جابوا الأكل في صحون مليانة وبوخها يلوي، أكل كتير.
سام وهي خشمها مليان أكل قالت:
- أها كايرو فيها شنو؟
- ما عندي فكرة. جاتني رسالة من المدير قال لي عايزنك هناك.
- إنت شغلك شنو؟
- مراسلة
إبتسمت.
- غايتو إنتو ما مافيا، ما شكلكم كدا، شوف العربية الخرا الإنت سايقها دي. ليه عربيتك فيها ريحة موز؟
هز كتفه وواصل أكل. سام قامت ضيقت عيونها وقالت:
- تكون مهرب موز. ما سألتني انا بشتغل شنو لي هسع.
- خمنت إنك لسع في المدرسة.
- جامعة وسكونسن، ماديسون.
- حيث، بلا شك، تدرسين الفن والتاريخ والدراسات النسوية وإحتمال تكوني بتصبي بيدينك جوائز برونزية، أو تكوني شغالة في قهوة عشان تغطي الإيجار.
سام رمت الشوكة ونفخت نخرينها وسألته:
- في نيكة شنو بتعمل كدا؟
- شنو مالك؟ عارفك ح تقولي إنك بتدرسي الادب واللغات وعلم الطيور.
- يعني عايز تقول إنو داك كان تخمين محظوظ أو حاجة.
- شنو هو؟
عاينت ليهو بعيون داكنة وقالت:
- إنت زول غريب يا سيد...، إسمك ذاتو ما عارفهاهو.
- بيقولو لي شدَو
عوجت خشمها بإمتعاض، زي ضاقت ليها حاجة ما بتحبها. سكتت وحنت راسها وخلصت اللازانيا.
- عارفة ليه سموها مصر؟
- على جهات كايرو؟ نعم. لأنها واقعة في دلتا نهر أوهايو ونهر المسيسبي، زي كايرو ال في مصر، في دلتا نهر النيل.
- كلام عقل.
استرخت في جلستها وطلبت قهوة وفطيرة بكريم الشوكولاتة. وإتخللت شعرها الأسود بيدها.
- إنت متزوج يا سيد شدو؟
بعدها وهو متردد قالت:
- أمك، دا سؤال تاني محرج، موش؟
- دفنوها يوم الخمس الفات دا
اختار كلماته بعناية: ماتت في حادث سيارة.
- يا الله، يا يسوع، أنا آسفة.
- أنا ذاتي.
مرة لحظة مشاترة كدا
- أختي بت أمي برضو فقدت ولدها، اللي هو أنا خالتو، نهاية السنة الفاتت. حاجة صعبة.
- نعم، مات بي شنو؟
شفطت شوية من قهوتها
- ما عارفين. ما عارفين إنو مات ذاتو. أختفى. لكن كان عمره تلتاشر سنة بس. عز الشتا الفات. الحاجة دي دمرت أختي جد.
- ما في أي، أي أدلة؟
شدّو بقى شكلو زي شرطي في مسلسل تلفزيوني. قام حاول تاني:
- هل شكوا في أي لعبة قذرة؟
ودي كانت العبارة الأسوأ.
- هم شكوا في نسيبي اللي هو أبوهو. كان قنيط بما يكفي إنو يسرق ولده. إحتمال يكون عملها. لكن دا حصل في مدينة صغيرة في الغابات الشمالية. مدينة جميلة وحتيتونة كدا، ناسها ما كانوا بيتربسوا أبواب بيوتهم.
شالت سام نفَسها وهزت رأسها. مسكت كباية القهوة بيدينها الإتنين.
- إنت متأكد إنك ما فيك شي من الهنود الحمر؟
- ما حاجة بعرفها كدا يعني. ممكن. ما عرفتا كتير عن أبوي. وأظن أمي كانت ح تكلمني عنو لو كان هو من الأمريكان الأصلانيين. إحتمال.
وعوجت خشمها تاني، وزهجت من باقي الفطيرة. الفطيرة كانت بحجم نص رأسها. دفرت الصحن ناحية شدو.
- عايز؟
ابتسم وقال ليها أكيد. قام خلص على باقي الفطيرة.
الجرسونة مدت ليهم الشيك وشدّو دفع.
- شكرا، قالت سام.
الجو إبتدأ يبرد شديد. العربية كحت مرتين قبل ما تشتغل. ساق شدو راجع للطريق السريع.
- حصل قريتي لي زول إسمو هيرودوتس؟
- يا ساتر. ليه؟
- هيرودوتس. حصل قريتي كتابو تواريخ؟
- لا كدي تعال،
قالت بطريقة حالمة
- أنا ما قادرة أفهمك. ما بفهم طريقة كلامك. في لحظة كدا شكلك زول جهامة وغبي، ال بعديها إنك بتقرأ مخي المنيوك دا، والبعديها أنحنا بنتحدث عن هيرودوتس. ف شنو؟ لا ما قريت ليهو. سمعت بيهو جايز في الراديو القومي، موش ياهو ال بيقولو عليهو أبو الكضب.
- أفتكر داك الشيطان.
- آآي داك ذاتو كمان. لكن سمعت إنو قال إنو هناك نمل عملاق ووحوش بتحرس مناجم دهب، وقالوا كلامو كله طلع تلفيق.
- لا ما أظن. هو كتب الحاجات اللي قالوا ليهو أكتبها. يعني زي هو كتب التواريخ بس. بعدين هي تواريخ جيدة جداً وفيها شحنات من التفاصيل الغريبة، يعني مثلاً هل تعلمي زمان في مصر لو ماتت بت جميلة أو زوجة زول مهم، ما كانوا بيرسلوها للتحنيط إلاّ بعد تلاتة أيام. بيخلوا الجثة تبوظ في الحر.
- ليه؟.....دقيقة، دقيقة، أنا عارفة ليه. حاجة مقرفة.
- وفي التوريخ دي معارك، وكل الحاجات العادية. وبعدين في الآلهة. واحد يجي جاري عشان يكلم الناس بأخبار المعركة، يجري ويجري يقوم يشوف الله في فسحة والله يقول ليهو قول ليهم يبنوا لي معبد هنا، يقوم يقول ليهو سمح ويجري ويجري وبعد ما يقول ليهم أخبار المعركة شنو يقول ليهم بالمناسبة الله عايزكم تبنوا ليهو معبد، حاجات أمر واقع كدا.
- طيب في قصص فيها آلهة، إنت بتحاول تقول شنو؟ إنو الناس ديل كانو بيهلوسو؟
- لا، ما كدا.
قعدت تأكل في أضافرينا وبعد داك قالت:
- أنا قريت شوية كتب كدا عن الدماغ. زميلتي في الغرفة كانت عندها الكتب دي وحايمة بيها في الغرفة. يعني زي قبل خمسة ألف سنة الفصين ال في الدماغ ديل قاموا إتلحموا مع بعض. قبل دا كان الناس فاكرين إنو لما الفص اليمين يقول حاجة معناها دا صوت إله بيوريهم يعملوا شنو. قصة عقلية يعني.
- أنا بفضل نظريتي أنا.
- شنو نظريتك؟
- إنو الناس زمان كان مرة مرة بتصادفهم آلهة في الطريق.
- أيوااااا!
ونزل عليهم صمت، صوت العربية بس هو المسموع، المكنة بتنوني، والعادم بيعوعي وصوتو ما صوت صحة ، وبعدها:
- تفتكر هم لسع هناك؟
- هناك وين؟
- اليونان، مصر، الجزر، الحتات ديك. تفتكر لو حمت في الحتات ديك ح تشوف آلهة.
- جايز. لكن ما أظن الناس ح يكونوا واعين إنو دا هو الشافوهو.
- أراهنك؟ ح يكون شكلهم زي جايين من الفضاء كدا. على أيامنا الناس بتشوف أغراب من الفضاء وزمان كانوا بيشوفو آلهة. إحتمال الفضائيين جايين من الفص اليمين للدماغ.
- ما أعتقد إنو الآلهة عملت مجسات شرجية، أو قتلت مواشي بيدها، بتكون سخرت ناس عشان يعملوا كدا.
قرقرت.
مشوا مسافة في صمت، بعدها سام قالت: إنت عارف دا بيذكرني بقصة الإله المفضلة عندي، من الأديان المقارنة واحد قصاد واحد، عايز تسمعها؟
- أكيد.
- طيب دي واحدة عن أودين. إله النرويج والحتات ديك، عارف؟ كان في ملك من الفايكنج على سفينة من الفايكنج، وواضح إنو دا كان في زمن الفايكنج، حصل ليهم إنو سفينتهم وقفت لعدم وجود رياح، أصابتهم حالة سكون في البحر. قام الملك قال طيب كويس أنا ح أضحي بواحد من رجالي لأودين لو رسل لينا رياح توصلنا لي أهلنا. أها جات الرياح ووصلوا للبر. الزول الوحيد الإتفقوا إنو يضحوا بيهو هو الملك ذاتو. القصة دي ما عجبتوا، زعل، قاموا قالوا ليهو إنها ح تكون مسألة شكلية وما ح تتأذي. فجابوا مصران حمل ولفوهو حوالين رقبتو وربطوا الطرف التاني في فرع لين وقاموا شالوا قصبة بدل حربة وقعدوا يشكوهو بيها ويقولوا ليهو أها خلاص شنقناك، ضحينا بيك لأودين.
الطريق بقى فيهو إنحناءة، وظهرت مدينة تانية، سكانها تلتمية نسمة، موطن الفائز بالموقع التاني في بطولة الولاية للتزلج السريع لما دون الإتناشر سنة. بها صالونين لتحضير الجنائز من نوع الحجم الإقتصادي الضخم. إتنين كل واحد في جنبة من الطريق. شدّو فكّر، مدينة سكانها تلتمية زول عايزة كم صالون تحضير جنائز.
- أها أول ما جابو أسم أودين دا في لسانهم إتحوّلت القصبة لحربة وطعنت الراجل في صفحته ومصران الحمل بقى حبل تيل، الفرع اللين بقى فرع رئيسي والشجرة بقت تسحب لي فوق والأرض تميد وبقى الملك معلق هنااااك بيموت ودموا نازف من صفحته ووشو أسود. الناس البيض ديل عندهم شوية آلهة متناكة بجد، يا سيد شدّو.
- صاح. إنتي موش بيضاء؟
- أنا شيروكي.
- دمك كلو؟
- لا. لترين بس. أمي بيضاء. أبوي كان هندي من النوع الحقيقي بتاع المحميات داك. جا ماري بي هنا، وآخر مطافه إنو إتزوج أمي وجابني. لما أختلفوا رجع أوكلاهوما.
- رجع المحمية؟
- لا. استلف قروش وفتح تاكو بال، عايز ينافس تاكو بيل. ماشي كويس. ما بريدني، بقول علي هجين.
- حاجة مؤسفة.
- فاكا منو. أنا فخورة بي دمي الهندي دا. بيساعدني في قروش المدرسة، إحتمال ذاتو بسببو ألقى لي وظيفة يوم، لو ما قدرت أبيع البرونزيات بتاعتي.
- في حل زي دا دايماً.
وقف شدّو في ألباسو، إلينوي، أتنين ألف وخمسمية نسمة، عشان سام تنزل قدام بيت في حتة منحدرة من طرف المدينة. كان قدام باحة المنزل الأمامية تمثال كبير، قايم على إطار سلكي، لحيوان الرندير أو الأيل، مكلل بأنوار متلألئة.
- عايز تخش معاي؟ عمتي ح تعمل ليك قهوة.
- لا. لازم أواصل.
إبتسمت ليهو وبدت فجأة ولأول مرة قابلة للإيذاء. مدت يدها وضربته على يده وقالت:
- إنت شكلك أمورك جايطة يا سيد، لكنك ظريف..
- أفتكر دا ما يسمونه الحالة الإنسانية. شكراً لرفقتك.
- نو بروبلم. لو لاقتك أي آلهة في طريقك لكايرو، ضروري تقول ليها هاي مني.
نزلت من العربية ومشت لباب البيت. ضغطت على الجرس وانتظرت فترة بدون تعاين وراها. إنتظر شدّو لغاية ما الباب اتفتح وشافها دخلت سالمة، بعد داك وضع قدمه لتحت وإتجه نحو الطريق السريع.
-------------------

لمحة من حكاوي أمريكية باللغة السودانية.