Monday, 28 November 2016

Civil Disobedience in Sudan


Civil Disobedience in Sudan
By Taha Jaafar

Nov.27.2016 was the first day of civil disobedience in Sudan. Groups of activists in the social media, mainly Facebook, Twitter and WhatsApp besides websites such as alrakoba.net and sudaneseonline.com, started calling for a three day strike 27-29 Nov.2016.
The first day was a success were the Sudanese people in Khartoum and other cities such as Wad Medani and Atbara just stayed at home, mainly workers in private sector and some of the workers in public sectors, many private schools and universities gave three days off for workers and students to participate in the strike. Reports from the press said the banks in Khartoum have only done less than 20% of their routine daily transactions, Khartoum Financial centre ( stock market) reported a loss 280 million USD in the first day.
Sudanese opposition chose the strike to avoid mass killing similar to the one that took place in Sep. 2013 demonstrations, as more than 300 protesters were shot dead by government-run militia, which is known as People’s Security service, a secret organization that is completely made of Muslim brotherhood members, also known as Sudan Islamic movement. The victims of mass killing operations of Sep. 2013 or their families did not find justice until today as the Islamic government of Khartoum is denying its responsibility about that and blamed militant oppositions groups in Darfur, Nuba mountains and South Blue Nile. Everyone knows that those groups are only active in the regions mentioned before but not in Khartoum where the mass killing took place. And their role is mainly to defend the Sudanese in Darfur, Nuba mountains and Southern Blue Nile from government offensive air strikes and land troops and Janjaweed militia attacks. Sudanese Military opposition mainly use their courage in that sincere human effort where they function in bad conditions, lack of logistics and absence of regional or international support. The presences of African Union and UN Peacekeeping forces and international  human organizations have been useless as Khartoum regime controls their activities and limits their role in ways that enable it to practice genocide.
That’s beside the known brutality of government against peaceful demonstrators which resulted in making peaceful opposition groups go to the choice of Civil Disobedience which was tried before in the overthrowing of militarily regime in Oct 1964 and in Mar-Apr 1985 and succeeded in bringing democratic governments through public elections. Now the chance of trade union strikes is not in consideration because the ruling Islamic military regime dismissed trade union activists and leaders from work in public sectors such as Sudan Railway, River Transport, public works, educations and health sectors and forced private institution to dismiss trade union activists and any political party members specially communists. This dismissal started immediately after the pro-Islamic coup of  June 30. 1989 and is still on. The same happened in the army and police forces. Any Sudanese who is not a member or a supporter of the Islamic movement was dismissed.
Opposition groups are hoping for the occurrence of a crackdown in the Sudanese Armed Forces and the Police  Force to stop the secret Islamic militia “People’s Security “ and the Janjawid from mass killing of the demonstrators. Opposition military forces of the revolutionary Darfurians,  SPLA in Nuba  mountains and in Southern Blue Nile are located in remote places too far from big urban centers and Khartoum. Lack of logistics prevents them from deploying forces to protect peaceful demonstrators.
International support is badly needed by now to stop the government from afflicting brutal massacres as the ones that happened in Sep. 2013. International silence about the mass killing of 300 civilians in the streets of Khartoum was met with deep frustrations as the Sudanese people found themselves alone in front of ISIS-like brutality.
Nov.27.2016


Friday, 4 November 2016

جليد نساي (3/3)



جليد نساي (3/3)
قراءة في رواية الرجل الخراب
عبد العزيز بركة ساكن
الجزء الثالث
مصطفى مدثر



سنتناول في هذا الجزء مسألة استلهام ساكن للهدمية الطاغية في قصيدة إليوت وأنه، أي ساكن، لم يشأ لهدمه نهاية أو حل. وكذلك نتناول مسألة البلبلة التي يحدثها استلهامه الآخر المتمثل في تبديل اسم الرواية، ونقترح سبباً لإختيار ساكن أن يكون درويش طبيباً صيدلانياً، كما نناقش التجريب في الرواية وأزمة النهاية. فإلى الجزء الأخير من المقال.
أبدأ ببعض الأفكار حول اسم الرواية.
إن الإرث الدلالي لكلمة الخراب في عنوان الرواية يبدو كافياً لقبول اسمها، الرجل الخراب، ولكن عندما نعرف من الرواية أن اسمها الحالي كان قد خضع لعملية تغيير مرتين فإننا نرى أن توسيع دائرة الفحص الدلالي قد يعيننا إلى فهم أحسن للأصول الابداعية للرواية. فاسم الرواية تحوّل تحوّلاً محكياً عنه من أزهار الليل إلى مُخرّي الكلاب واستقر عند الرجل الخراب. وقصيدة اليوت نفسها تحوّل اسمها، ربما مرة واحدة، ليستقر على الأرض الخراب. وهذا استلهام آخر للقصيدة نرصده هنا ولا ندعي الحصر.
إن المقصود هنا أن هنالك تعارضاً في دلالة الخراب في الاسمين. فبغض النظر عن كون القصيدة تعد من أكبر محاولات الإبتعاد عن التناول المباشر للأشياء أدبياً، وأنها مستودعاً هائلاً للإحالات وأن مجمل قولها هو الشكوى عن عقم حياة المدينة المعاصرة، فإن دلالات الخراب فيها تتعلق بالنظرة للحياة والحضارة وتذهب بها للدعوة للعودة إلى تجدد الميلاد من خلال الروحانيات. بينما الرجل الخراب، هو كائن ذو عقل بشري محدود غير متسق مع مرجعيته الفكرية وأفعاله مجرد اذعان لاملاء الظروف، فهو بالتالي لا يمكن الوصول إليه عبر مشتركات تحققها شخصيته. فالمشكلة إزاء درويش هي قلة الداتا، في الرواية، التي تؤيد الزعم بأن شخصيته من التعقيد المعرفي بحيث يتمثل ذهنه دقائق التحوّل الذي استوجبه عليه بحثه عن حياة أحسن، في عالم مختلف. وهذا الزعم ليس مصدره المؤلف، الحقيقي أو الضمني، بل على العكس لقد حرص المؤلف على الحديث عن قلة ثقافة درويش وعن شح علاقته بالكتاب رغم أنه خريج جامعي. فأظنني أكون قد وقعت على أول نقيض للاستلهام من القصيدة، إن أنا أحسنت تبيانه.
في الفصل الأخير من الرواية، يقوم درويش بفحص أصدقائه، بعد أن خرج من بيته تاركاً زوجه وإبنته مع صديق الابنة، بحثاً عن العون. ويقدم لنا المؤلف ملامح سردية لعلاقات درويش بهؤلاء الأصدقاء نرى فيها وجهاً من أوجه التعاطي الثقافي مع الآخرين. فهناك علاقة درويش براهبٍ مسيحي وبمثقفٍ كردي وصيدلي نمساوي. لكن هذه العلاقات لا تبدو كافية لكي تتجذر علاقة درويش بالثقافة لمستوى التعالق مع نص في صعوبة نص قصيدة إليوت، ولعل ضحالة أو سطحية تلك العلاقات هي التي جعلته يعدل عن أن يطلب عونهم حين حمي وطيس أزمته. ومن المفيد أن نعرف أن درويش لم يقع على أدب غربي إلاّ سماعاً من زوجته نورا وأن نورا التي تحب الأدب لم تكن تعرف قصيدة إليوت التي طلب منها أن تقرأها له ولم تحبها. في الحقيقة حرص المؤلف منذ بدايات الرواية على تأكيد رقة حال درويش الثقافية بتلخيص علاقته في بعض عناوين الكتب العربية حين كان في مصر و كتابين، أحدهما مرجع في الصيدلة والآخر مصحف قرآن صغير الحجم، في اوربا، ثم نقرأ لدرويش قوله "أحياناً كنت أظن أن القدر جمعني بنورا من أجل ت س إليوت" لكن هذه المعرفة الجديدة وفي سنه العمرية المرصودة في الرواية تبدو مبتعدة نوعاً عن التخييل الواقعي mimesis . وإذا استطردنا في تأصيل علاقة درويش بالثقافة فإننا نلاحظ أشياء هامة اعتمدها ساكن في رسم شخصية درويش. فدرويش شخصية مصطنعة بشكل يفي بمقتضيات الأثر الدرامي الأعظم، شخص لا تملك إلاّ الصغار والشجب تجاهه قبل أن تأخذك القراءة بعيداً في الرواية. شخص يمكن التكهن بكل ما يقوم به لكنه يمكن أن لا يقوم بأي شيء. فهو لا بطل، وصعب ومعقّد ومؤلم، وقصته تراجيديا من صنع يديه. ودرويش  سوداني، مصري، أي كائن مزدوج في حيرته الثقافية. ثم هو صيدلي، أي منتم لقطاع يندر أن تضطره ضائقة اقتصادية لنوع الهجرة التي تكبدها، ولعله مناسبٌ أن اضيف هنا استلهاماً قد لا تبدو أهميته للوهلة الأولى ولكنه يستحق التوقف عنده. إنه اختيار أن يكون درويش صيدلياً. فعلى الرغم من عدم أهمية أن يكون لدرويش مهنة، لأنه لم يمارسها إلاّ في لحظة باكرة من الرواية، فإن هذا الاختيار قد يقع في صميم وفاء ساكن لفكرة استلهام قصيدة إليوت. فالصيدلي، أو الكيميائي، هو مَن نصح إحدى شخصيات إليوت في القصيدة بأخذ أقراص للاجهاض، لكنها بعد أن فعلت لم تعد لنفسها طبيعتها.
The chemist said it would be alright, but I’ve never been the same.
وعلى كلٍ، فالصيدليان في العملين يبدوان فاشلين في مهنتهما. ومن ما أبانه المؤلف أن درويش تعرض لنفس الذي يتعرض له الأشخاص الذين لا تحرسهم ثقافة حقيقية فتم تجنيده من قبل أهل الوعي الزائف أو الجماعات المتطرفة. والرواية تحتوي على فصل كامل بعنوان الأجنبي يحكي مشكلة الهوية التي تعرض لها درويش في مصر، كون ابيه سوداني وامه مصرية ولكن لا شيء يغير من حقيقة أن هجرته أُعتبرت اقتصادية ولا علاقة لها باضطهاد عرقي، أو باختصار، "المحققون يحبون الكذبات الكبيرة" ودرويش لم تكن عنده إحداهن. ومن المناسب هنا أن أتطرق لنبيطة مصر في هذه الرواية. وكنت قد أبنت في مقالين سابقين أن وجود مصر في الروايات السودانية، الصادرة في عقدين أو أكثر، بات من ما يمكن التكهن به في أي رواية جديدة تصدر. ولا غرابة في ذلك لأن مصر، لأثرها وموقعها، لا يمكن تجاهلها. وما رميت إليه من استحداث نبيطة أدبية، اسميها الآن لأول مرة نبيطة مصر، هو خلق معرفة ودراسة لهذا الأمر وآثاره أو مجرد الاستمتاع برصده. والنبيطة هي ترجمة لكلمة device. ومجرد ذكر مصر فإن نبضاً ومشهديةً عالية تعتري العمل الروائي. ومن آثار الاستخدام المجدي لنبيطة مصر تلك الحبكة التحتانية subplot التي تحكي قصة البوروندية ناديا صوميل، فهي حبكة جميلة وتشير إلى انفتاح أفق المصير إن أحسن المرء في إقدامه على الحياة وتتناقض تماماً مع انغلاق الأفق الذي  يعاني منه درويش.
ع ب ساكن

إن فكرة الأرض الخراب، في القصيدة، هي فكرة صوفية أو هي دعوة ل" ادراك الحقيقة من خلال رموز الموجودات". أن الأرض التي خُربت كانت أساساً للخوف والضعة، وما موتها إلاّ بشير بانبعاثها في برزخ أبدي مشرق، وفق املاءٍ لفظي imperative أحادي هو Da والذي يأتي صداه ثلاثي اللفظ، داعياً للعطاء والرحمة وضبط النفس. وهذه الألفاظ تمتاز بها الهندوسية وديانات شرقية أخرى أخذها إليوت منها وضمّنها في قسم قصيدته الأخير، ما قاله الرعد. ولعل في عبارة إليوت في مقام آخر "أن الشعر فن لا شخصي، لذلك يجب أن يحدث انفصال كامل في داخل الفنان بين الإنسان الذي يعاني وبين الإنسان المبدع الذي يخلق" ما يعزز نظرته الصوفية. فلقد وضع إليوت، في قصيدته الارض الخراب، حداً للهدم الذي أحدثته الحرب وعواقبها، لكنّ ساكن استعاض عن فكرة الأمر الثلاثي الهندوسية بفكرة النهاية الثلاثية لروايته. فدرويش عمد إلى تخريب حياته بلا توقف، وبملمح صوفي حلاجي، وإن ترتب على ضيق أفقه وانكاره لحقائق الحياة المعاصرة، وإلى حد الإفناء. فنورا زوجه تقول في شهادتها في آخر الرواية "..ربما انطلاقاً من تلك الفكرة بالذات، هو الذي وضع خطة موته- كما اكتشفنا لاحقاً- وهو الذي كتب رسالة تقول إنه ينوي الانتحار، وعليها بصمات أصابعه وتوقيعه.." بينما كان الحلاج يقول "أريد أن أقتل هذه الملعونة" مشيراً إلى نفسه.
والنهاية التي اقترحها المؤلف وأقلع عنها قبل أن يذعن لنهاية تكتبها ثلاث شخصيات في الرواية، أو أي نهاية شبيهة بها، في تقديري، ربما هي أكثر النهايات ملائمة. وهنا شاهد على الاستلهام في فكرة النهاية الثلاثية يتبعه مباشرة نقيض للاستلهام في دوام فكرة الهدم حتى نهاية الرواية. نقرأ ما كتبه ساكن عن النهاية التي لم يعتمدها "فكانت خطتي لإنهاء الرواية.." وهذا الاقتباس، للمناسبة، هو من صلب الرواية نفسها…"تذهب إلى عودة درويش إلى مصر أو السودان مرة أخرى، هارباً بابنته ميمي من جحيم الفساد الأخلاقي والقيمي الاوربي.."
لقد قلت مسبقاً أن أحداث الرواية تبدو عادية ما خلا بعض اشراقات الحكي ولذلك فإن المؤلف، وهو لا شك ضليع في فنه، قد اعتمد على الإشتغال على مستوى طرائق السرد أو الإنتقال من الذي يُحكى إلى كيف يُحكى. وجاء أول ذلك في مطلع الرواية حيث يضعنا المؤلف أمام الأزمة مباشرة، تماماً كما تبدأ الكثير من القصص القصيرة. ثم ينتقل من زمن لآخر عبر استرجاعات عدة، وحشايا سردية، ومشاهد، ويعمل كل ذلك فعل السحر في القارئ. ولكن المؤلف يخوض، على مرأى منا، معركة غرائبية، يتم فيها إقصاء الراوي عن مهامه، وذلك لأن الراوي "شاء أن يهتم بحدثٍ تافه عابر وقع بينما كان درويش في طريق عودته لسلفالدن بقطار الرابعة والدقيقة الثامنة بعد الظهر." وينبغي علينا إدراك أن ما يزيد من غرابة هذه المعركة هو أن أطرافها ثلاثة وأن اثنين منهم محض خيال. فنحن إزاء المؤلف ع ب ساكن والمؤلف المفهوم ضمناً، وهو الكائن المتخيّل implied author والذي نعرف أنه كتب أعمالاً أخرى مستعيناً برواة آخرين، ثم الراوي الذي لا وجود له كشخصية في الرواية. وفي حيثيات حكمه على الراوي يورد المؤلف أن ما انتواه الراوي كان "سيورط النص الأدبي في ما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحرفيين: الخروج المريع وغير المبرر فنياً عن الخط العام للتحقق السردي.." ويستطرد المؤلف في رواية مشكلات سابقة له مع رواة آخرين، مثل ما حدث في روايته الخندريس حيث "عندما رغب الراوي في تحويل الرواية إلى مغامرة بوليسية، ولم يعجبني ذلك، وقمت حينها بتولي قيادة السرد بإسمي الشخصي في فصل بأكمله. كان الأمر مخجلاً بالنسبة لي ومرهقاً، أن أكون مؤلفاً وراوياً." ومبلغ علمنا أن الأكثر عرضة لعبء السخرية في هذه الحالة هو الراوي. لكن الراوي ليس شخصية حقيقية. ولئن كانت خناقة ساكن مع الراوي كبيرة، فإنها لا ينبغي أن تجعلنا ننسى أن ساكن أوكل لراوٍ غير مضمون، هو درويش نفسه، أن يحكي فصلاً هاماً بعنوان سيرة المرأة. فدرويش غير مضمون unreliable بشهادة المؤلف نفسه. وبالطبع فإن الروائي المتمرس مثل ساكن يمكن أن يأتي بأشياء عجبا. وأنا أعرف، مثلاً، رواية موت العراب، التي قام فيها المؤلف بالاطاحة ببطل الرواية بعد أن تعوّدنا عليه ونصب محله شخصاً هو إبنه كبطل جديد لنفس الرواية.
إن الاشتغال على السرد والتجريب في العمل الروائي هو أمر لا يتوقف ولكن يبدو أن مشكلة انهاء الرواية أو جعلها ذات نهايات متعددة، على الرغم من كونها نصاً مغلقاً يمكن فهمه وفق أعراف وتوقعات مألوفة راجع الفقرة الأخيرة، أو ختمها بطرد الوقائع بكيفية تجعلها تتبدد في ناحية من الغلاف الداخلي الأخير. كل هذه ليست أموراً وشيكة الحسم لأن الناس، بحسب نقاد كثيرين، يؤولون العالم وفق البدايات والنهايات، أي حسب مبدأ الغائية. وكما ذهبت مدرسة شومسكي للقول بوجود جين لغوي فإنه ربما طلع علينا أحدهم بجين للختام. فكلنا نعشق النهايات وقد نرى فيها بدايات جديدة. وهذا يعني أننا لا زلنا نثمن عالياً التوقعات التي بنتها فينا الطرائق والتقاليد الروائية، وأنه لا زال هناك الأدب المعياري canonical الذي يحظى بسمعة طيبة، كلٌ في حيزه أو إقليمه أو يسهل الإجماع حوله. وفي المعياري يقف منتصباً، لا زال، إطار أرسطو المعروف ليردم الهوة بين ما حدث وما يراد له أن يحدث. إن النهاية التي لم يعتمدها ع ب ساكن هي التي تستجيب لتعاطف القارئ و" تصعد بحزنه لتفجّره، فتخلي نفسه من أحزانها المصيرية."، أي تولّد فيه عاطفة تفعل فعل الدواء الملطف للمزاج cathartic دون أن نغفل أن الذي يبكينا أكثر قد لا يكون أدباً جيداً. ونظرية أرسطو رغم تعرضها للنقد المرير من أعلام مثل جورج أورويل، سولزنتسن وبرتولد بريخت وغيرهم إلاّ أنها لا تزال حيوية.
إذاً، وفي تقديري، فإن أزمة نهاية الرواية هي ما حمل ساكن على هذا النشاط المحموم والعالي المهنية والذي لم يكن بلا آثار جانبية، سواء على مستوى الفكر كأحد عناصر الحبكة، أم عن اللحظات غير الخيالية اقرأها غير الروائية،  أم على مستوى استجابة القارئ.
تأتي في بنية الرواية خصيصة التعقيد الفكري، ما استقام من فكر وما انجلى. ما كان ينبغي لدرويش أن يتعلمه من أزمته لأنه "أفكاره أيضاً حدث فيها بعض التغيير الذي يصفه بالايجابي، لأنه ما عاد يرى البشر إما كفاراً أو مسلمين" وأن فكرة قبوله بالمجتمع الأوربي، الجديد عليه، لم تكن صعبة، وان تدخل فيها البوليس أحياناً، بالنظر لامتيازاتها. إن موضوعة الهوية وكراهية الآخر والحريات لم تحظ بشرح كاف ولا عجب فالرواية قصيرة، شاء لها كاتبها أن لا تسع صراعاً فكرياً، كان يمكن أن يتم من خلال وسائط حكائية أو حوارات عميقة تسمح للقارئ باستدعاء مصائر أخرى مغايرة. وتأتي هذه الخاطرة كأمنية بأن تكون سردياتنا الكبرى هي التي تضع على المحك وتناقش الأسئلة التي لا بد من جوابها قبل أن نصير أمة.
لقد مرت بالرواية لحظات nonfictional إنوجدت فيها شخوص واقعية حيّة داخل بنية الرواية. أشخاص أحياء عند ربهم يرزقون. لا بأس، هنالك أيضاً في الشعر، مثلاً، لحظات غير شعرية. لكن هذه اللحظات قد تغدو مصدراً لانزعاج القارئ فمثلاً ومنذ بداية الفصل المسمى درويش يحس القارئ بوجود راو آخر، غير معرّف، يبدو أنه الراوي الضمني أو هو المؤلف، فهنا تحدث بلبلة، بمعناها العادي وليس الفني. ثم تمضي الرواية لنقرأ: "الراوي أصر اصراراً بالغاً على وضع النقاط على الحروف… على كل سأحكيه هنا بشيء من التحفظ لا بأس به، أي بالقدر الذي لا يقلل من قيمة العمل الفني أو يخلق ارتباكاً لدى القارئ." ويتدخل هذا الصوت الذي لا نملك دليل على أنه المؤلف نفسه ليقول: "فمن غرائب الأحوال أن هذا الراوي لا يحب الحوارات." إلى أن نقرأ: "قد يتوقع القارئ الكريم...أن الرواية منذ هذه اللحظة سوف تمضي في ثلاثة محاور…" ونحن نعرف وعي المؤلف بهذا الأمر بل هو قد صدّر روايته ببيت الشعر المأخوذ من بودلير، أيها القارئ المرائي يا شبيهي يا أخي، ثم قال عنه "أما القارئ المرائي المغامر الصعلوك..فقد يكون له رأي آخر. لا ندري ما هو بصورة قاطعة." فيبدو أن القارئ مستهدفٌ بالنشاط التجريبي الذي قام به المؤلف وأنه إما أن يكون محباً للأدب أو قارئاً متمرساً، سيجد متعة في الأجزاء الأخيرة من الرواية التي تشبه ورشة عمل حول طرائق كتابة الرواية، أو يكون مستهلكاً عابراً، سيجد أن نفس هذه الأجزاء المذكورة تحكي عن أزمة في كيفية انهاء الرواية وحسب. ومن زاوية نظرية استجابة القارئ reader response في تصريفها الفرنسي عند رولان بارث يمكن أن تنتقل المسألة لأزمة في هوية الرواية نفسها، هل هي نص قارئي readerly، مغلق، يجود على القارئ بفهم واحد. أم هي نص كاتبي writerly، مفتوح، يمكنك انهاؤه كيف تشاء.
ختاماً، طابت لي، بحق، قراءة هذه الرواية لما يميزها من سيولة في اللغة ولما فيها من جهد الكاتب العارف بأدواته وموظفٍ لها بحكمة واقتصاد، وما كتبت هذا إلاّ ملتزماً بطريقتي في أن أعبر حيثما وسعني التعبير.





Sunday, 23 October 2016

حكاية البنت التي طارت





كنا قاعدين في شرفة منزل صديق جديد في مدينة صغيرة نزورها لأول مرة. الشرفة أرضيةٌ بها أصائص ورد ويفصلها عن الطريق العام سياجٌ معدني تنبثق منه تماثيل صغيرة لملائكة.  وكنت على وشك أن أقول شيئاً عن جمال تلك الجلسة المسائية في المدينة النابضة لكنني انشغلت عن ذلك. كانت فتاة بملابس سباحة ضيقة قد ظهرت في بلكونة بالطابق الثالث للعمارة المواجهة لمجلسنا.  تعثرت الفتاة قليلاً قبل أن تنتصب على كرسي أو منضدة صغيرة، ثم فجأة طارت من مكانها مبتعدة عن البلكونة. لوهلة بدت كأنها فشلت وستقع لكنها شدت جسدها وحركت يديها وقدميها فاندفعت إلى الأمام وانسابت أفقياً في محازاة بلكونات الطابق الثاني تحتها ثم حطت برشاقة على الارض وجرت فدخلت المبنى لتظهر مرة أخرى على نفس البلكونة. وهذه المرة كان معها رجل يلبس قناعاً أخذ يقبل جبينها.
طبعاً لفتُ نظر الناس الذين كانوا معي منذ أول لحظة، وشاهدوها عندما حطت على الطريق، وصرخوا من هول الأمر وقال أحدهم، كيف تطير بلا أجنحة وكان رد زوجته جاهزاً، خداع بصري.  وقال آخر، لا وقت عندنا لمعرفة ما إذا كانت هناك خيوط فتدخلت صديقته وقالت إن أشياء غريبة كثيرة تحدث بلا خيوط. بيد أن تفسير الفتاة المرافقة لأحد الزوجين وهي فتاة صغيرة بدا لي غريباً لأنها قالت فرويد وصمتت ولم يحفل أحد بطلب توضيح منها فسارعت بالقول إن الشيخ يوسف يقول ربما هو حمل باكر فقال شكاك، هذا هو أفضل تفسير فقلت له، أو يكون قد عاونها كائن غير مرئي. وشكاك هو الصديق الذي كنا نزوره، والذي إلتفت بعد حديث البنت الفرويدية يسألني، ألم تلاحظ ان الطريق كان خاليا من السيارات؟ وطبعا لاحظت، الذي حيرني هو أنه كان مولياً ظهره لما دار ولم يبد أي دهشة. فقلت له هذه البنت طارت تماماً.  فضحك وقال لي، أنها مجنونة مثل أمها، سالته كيف، قال هل لاحظت الرجل المقنّع، قلت، نعم، قال إنه يحضر لإعطائها دروساً، سألتُ، دروس في ماذا، قال، لا أحد يعرف لكنه أيضاً يعود آخر الليل ومعه عدد من أصدقائه السكارى وفي البيت أكثر من بنتين، ثم ذم شفتيه. قلت له هذا الحديث لا علاقة له بطيران الفتاة، فوضع على وجهه تعبير أنه يعرف أكثر. وشكاك  هذا معروف بأنه صاحب حس سياحي ويحبُ أن يخدم الناس فدعانا لبقية البرنامج الذي أتينا له قائلاً هيا بنا فخرجنا.
رحنا لأكثر من مكان. المدينة فعلاً مليئة بالمقاهي والسواح وأهلها ملفوفون داخل سحر لطيف وسماؤها تباغتها أضواءٌ ملوّنة من حينٍ لآخر . مررنا بدار سينما كان مزدحماً بشكل لافت وقالوا إنها تعرض فيلم خيال علمي فعادت إلى ذهني صورة الفتاة الطائرة. بدا لي أنها كانت حريصة على أن تومئ برأسها لكل بلكونة مرت بها. وفي وهلة رمت سيدةٌ، كانت في يدها فوطة بيضاء، نصف جسدها من النافذة لترى مرة أخرى ما لم تصدقه. وكذلك تذكرت شيئاً آخر لكن مطافنا كان قد انتهى إلى مقهى صغير، دخلناه تباعاً وجلسنا بالقرب من رجل عرفه شكاك وحيّاه. وكانت مع الرجل إمرأة بدا على وجهها الإمتعاض. طلبنا شاي وفطاير وآيس كريم و تحدثنا عن المسافات بين المدن وأهمية العطلات، وحضّرت في ذهني تصوراً محسّناً لحكاية البنت التي طارت، ما إن فكرت في طرحه حتى أدار شكاك جهازاً صغيراً كبير الصوت فخرجت منه نكات سريعة ومتتابعة استسلم لها الجميع وأكلوا جراءها بتلذذ ظاهر. كانت الفتاة صاحبة تفسير فرويد غير المشروح قد إلتهمت كميات من آيس كريم الشوكولاتة غير عابئة بتعليق المرأة التي أتت بها حول حب الشباب وأثر الشوكولاتة عليه، لكنها بعد قليل تحدثت عن عدم توازن هرموني يعالجه الزمن، فسألها أحدنا، كيف. فقالت له وفمها ملآن بالآيس كريم، بالزواج. لقد كنت متأكداً أن الشوكولاته ستقفز بها حاجز الإجابة العادية ثم، سمعت المرأة الممتعضة تقول للرجل: هذا السافل يلعب بالبنت، كيف تسمح  له أمها بأن يجعلها تطير؟ الرجل قال لها، لا عليك فهي كانت نائمة. فقالت له، هذا كذب لم تكن نائمة. لكن الرجل بدا أكثر حزماً في إجابته فكرر، كانت نائمة. لقد نامت بالضبط لمدة ثلاثين ثانية. سألته المرأة، وكم طارت، فقال، طارت أربعين ثانية، سألته، ما هذا الحساب؟ طارت خارج تنويمه لها، كيف ذلك؟ وبهت الرجل لكنه قال، لا أحد يدري، هذا كل ما جمعته الشرطة، سألت المرأة، هل وجهتم له أي تهم؟  لا، أمها قالت إنها تتابع كل شيئ وراضية عنه، صمت ثم أضاف، البنت نفسها مبسوطة جدا وقالت انها قريباً ستطير بلا رجعة، ثم وجم الإثنان وكذلك أنا. قلت في سري أنت لا شك تعرفين كيف تهبطين. وتوقفت عن لعق الآيس كريم إذ تذكرت كيف حطت على الأرض فقلت لشكاك هامساً: أنا أيضاً أعتقد أنها لم تكن نائمة، لقد تم هبوطها بمهارة ولم ينقصه سوى الأزيز. هبوط عظيم ولكن لقد بدت مؤخرتها وهي تنزلق على الأسفلت كبيرة للغاية مقارنة بحجمها. أعتقد أنها لم تكن نائمة، إنها فقط طارت. قال شكاك في هدوء، أنها طارت مسافة أطول بالأمس حتى أن أحد أفراد الشرطة كان على وشك سحبها للمخفر لكنه غيّر رأيه حين أشارت له إلى منزل أهلها.
فكرتُ لماذا لا يعني شيئاً طيران فتاة بالنسبة لشكاك فهو يؤكده الآن ولكن بلا حماس. بيد أني آثرت أن أسمع ما يدور في الطاولة المجاورة من ما لا تستطيع النكات أن تعلو عليه. كانت المرأة تقول لجليسها، لابد من ايقاف هذا العبث. إذا طارت جيداً فمعناه أن كل الفتيات.. ولم تكمل بل قالت جملة جديدة وقراراً: الجميع سينبهر بهذا الجنون. هيا بنا نفعل ما يمكن فعله وخرجت ومعها الرجل.
ثم خرجنا نحن خلفهما ومشينا وراءهما لمسافة قبل أن يختار لنا شكاك نقطة افترقنا فيها عنهما. وفجأة وجدتني أفترعُ أغنية تقول، أحلم أني نسر وأحلم أني أنشر جناحيّ وأطير عالياً عالياً، إنني طائر في السماء، إنني نسر يمتطي النسيم، هاي هاي، وتقول الموسيقى وراءي ماهو أشبه بلا إله إلاّ الله(1)، ولم أكن أدري أنني أجيد تلك الأغنية فلقد تقافز الآخرون حولي ورددوها بمزاج، يتقدمهم شكاك الذي أخرج من جيبه ألعاب نارية بعثرها فوقنا. لكننا سريعاً ما انتبهنا لصوت زاجر بعيد، استبعدنا أن يكون موجهاً لنا، أعقبه أزيز لم ندر مصدره فإندفع إثنان منا يركضان أمامنا بلا سبب ثم تراجع أحدهما عن قفزة فوق شجيرة عالية.
سرنا، بعد ذلك، صامتين  لمحطة القطار، وسط زحام الخارجين من فيلم الخيال العلمي. عنّ لي تعليقٌ على ذلك الزحام أحجمت عن قوله لهم. أظنه كان تعليقاً يربط بين حكاية البنت التي طارت وإسم الفيلم، لكنه طار من رأسي، هو الآخر.
انتهت

Sunday, 25 September 2016

افتقاد الغياب



    IMG_20150704_165222717.jpg


    • فكرة افتقاد الغياب، من جراء الإتصالاتيه الفاجرة، فكرة أشرقت عليّ وأنا أقود سيارتي صوب مجهول تستسهله الخرائط وانبثاقات الطرق بقدر ما هي تقصيه. الصورة أعلاه أخذتها في اللحظة التي بدا فيها الغياب مهولاً، لا تحتويه فكرة إفتقاده. كما لو أنها المرة الاولى التي يبدو فيها العالم كبيراً، كبيراً، مثل ما هو دائماً حين نكف عن سذاجة نظرتنا إليها من خلال عدسة. أليس بائساً أن نقتنع بفكرة رؤية العالم من خلال عدسة. ولماذا عدسة وليست دليبة أو بُرمة؟ لماذا ينطوي تآنسنا مع الوجود علي خُفية وتلبد؟ لماذا نتلصص من خرم في باب الحياة، لهذا الكثير المنبهل أمامنا؟
    • الفكرة أن تفتقد الغياب وتشتاق لفصم عروة، disconnect في لحظةٍ ما وتستثمر ذلك في إعادة ترتيب قوامك الرقمي من فوضى المعرفة التي تعتريه. أن يلقي بك الطريق قرب هوة صديقة أو ينبجس غديرٌعن طائر بين فكيه سمكة، ثم لا يلبث يصعّد، يتصعد، إن شئت، كأنه يعلم أن بسيارتك كوةً عليا مفتوحة على السماء، وأنه قد راقه أن يدلي إليك العشاء بسمكة، ولات حين ديجيتا!
    • أنت أمام عالم لا يعتد برقمية خلعوها عليه. فبما إلفة قديمة مع السماء ذللت صعاب التكنجة، من التكنولوجيا.
    • أم أننا في أول المدى؟
    • لا شيئ من عوامل الطبيعة يشتمل إعتذاراً، يحتمل اعتذاراً. الطبيعة ليست مهووسة بالأخلاق ولا لها مناهج تصلح للبشر وان فعلت لفضّل أكثرنا البقاء في مرحلة الأساس. وسيكون فيهم ما يكفي من الأغبياء، كالعادة ولمعلوميتك.
    • أنا في تانية روضة، بحسب مناهج الطبيعة. شاطر جداً. أعرف أن نيبتون له أطواق يلعب بها هيلاهوب، أو أن المذنب الذي مر من هنا قبل سنتين بدا غاضباً ومسرعاً ولم تغيّر في احساسه شيئاً حقيقة (؟) أنه سيعود بنفس السرعة ونفس الحُنق بعد ألفين من السنين.
    • وخذ عندك، أن الفراشة التي حطت على سيارتي لم يبد عليها أي إرتباك، كأنني من سكان الوادي، واديها هذا. طيب ولماذا أنا مرتبك؟ أم أنها محض ترقيمة منى؟
    • لكن فصم العرى، ال disconnect ، غير ممكن في أغلب الأحوال.
    • هل بمقدورك أن تأخذ اجازة لمدة شهر لا تفتح فيها ايميل ولا ترد على رسائل الواتساب ولا ترهات الهاشماب أو المكابراب؟ ولا تغريدة؟ أحدهم وصف هذا الانقطاع بأنه غسيل رقمي digital detox، نزع سُمية رقمية، وكلها ترجمات غير كامدة وشافية بمقارنتها بدرامية، وشيئ ما كلاحة، الكلمة في اللغات الأوربية. المهم أن فكرة الانقطاع أو القطيعة بمعناها الفلسفي تطل برأسها. إنها فقط تبدو هنا ضرورية كوسيلة لكسر الطوق الرقمي الذي إرتأينا، خفافاً، أن لابد منه.
    • انقطع ياخي، انبت وإقطع أرضاً...ولا تبقي ظهراً!
    • فحللت مدينة غريبة عليّ. سكانها 5 ألف نسمة. حاجتان تأكدت منهما. أن 5 ألف وواحد سينامون هنا الليلة والتانية أن 5 ألف شخص يتداولون الآن على الموائد خبر وصول الغريب إلى المدينة. الاحساس يتراوح بين هجس النفس وغموض الآخر. احساس قوامه الارتعاد. ارتعاد تمليه الزعزعة. والزعزعة يمليها الطريق. والطريق كان محاولة في الانقطاع. والانقطاع تعذر.
    • كانت محاولة لها لاحقاتها. لا بد من ضياع ما يوماً، فقط تحسس غيابك. شوفو مالو.

Sunday, 11 September 2016

ونذكر سين

ونذكر سين
سردٌ أقصى حريٌ بذاكرة قصوى

**********

أطلت مكوثي بها بعدك ردحاً وكنت ظننت أني، قبلك، ذاهبُ.
وأنت الآنَ هناك، هناك، تلحُ عليّ بأسئلة النار.
ألا تكف عنها يا غريبْ؟
حتى وأنت بين يدي مليك قهارْ؟
ألا إنك في مأمنٍ من سهامي أكيد. ليس كما كنت، سابقأ، تنال عقابك مني سريعاً على أخطاء تسميها صغيرةْ، ونذهب بعدها، أنا وأنت، نحو حلوى طحنية، نحو فولٍ على البازار.
أم نحو هُزال الغزَلْ وغزَل الهزلان؟
تقول لي، بناتُ "الأحفاد" يخفن انتظارك وكذا بنات "كلية المعلمات".
حسنٌ، حَسن. ولكني أخاف حَسن(1) وليمونه القشعري أكثر من خوفي على ما بدا لي كشيئٍ بلا كيسيّ صَفن!
وكنتَ تقول لي: عيبٌ، فهذا شعارٌ مجلسنا البلدي.
كنت أقول لك بل هو ما نصب الاغرابُ فوقنا حين أزف رحيلهم لنذكرهم بغيظْ،
وتضحك.
كان يسرك أن أقدح في بريطانيا العظمى وكنتَ تشكر أنت روسيا بلشفية.
كنا نخاف كذلك خ، ويصعب وضعها بين قوسين،
فالشداد شدادٌ حتى على اللغة.
ودعنا الآن منها فهي قصوى، حريٌ بها السرد الأقصى.
كذلك كنا نخاف ونهوى تلك البنت سلوى. أتذكرها؟
كانت تمر كمر الغمام على شارع الموردة فننسى أنه الحرُ أمضّنا أو أنه كدر الطرماج وربما هو أيضاً ضراط "سلاطين". في الحقيقة كنا نخاف أن لا ترانا أو أن ترانا كنملٍ شقيْ. نخافك سلوى أكثر من مخافتنا من القاضي حبيب.  
أتذكر هذا كله؟
أتذكر كل هذا ؟
لا ...بجد، أتذكره؟ لاني أعلم أن ليس هناك في عالمك الجديد مثله.
ليس في عالمك أن تخادع سائق تاكسي وتستدرجه، منجعصاً على المقعد الخلفي في السيارة، لمشوار ستأخذه الخالات منتظرات، وتنزل عند باب البيت، فتهرب من فناء لفناء عبر نفاج وأبواب سرية ويركض السائق المحنوق عبر مفازة الأهلين، وتلحق أنت أن تهرب.
ليس هناك في عالمك مثل حكايتي هذي فما آنست عندك؟
أفاكهةً وأبّا؟ أم حدائق غُلبا؟
وتسألني أن أفتح الملفْ.
لكنني متشكك
في دقة الاحداثِ والصدفْ.
وأنت الذاكراتُ على ضفاف الأمسِ كنت ونيسها الأكبرْ.
أخي، لديك مطلقُ الأبدْ. فلا تكلفني شططاْ وتذهبْ .
سأذهبُ. يكاد عقلي يذهب.
وهل اذهبْ بغير تذكرٍ طفيفٍ للطوابع الانيقةِ التي احتازها حمد؟
كنت تقول إني لا أدانيه، فهو يذهب خلف كبري النيل الأزرق، في مضارب الفرنجةِ والشوامْ،
وأذهب أنا إلى الملجا وسوق الهنود حتى أشم رائحة السعوطْ أو تركض نحوي عفاريت الترامْ .
كنت أنت بلا هواية.
تذهب للنهر متى تشاء. وتصطاد الطيور خلف مبنى اذاعة ام درمان.
كنت أدس ألبومي باعزاز وفخر، وتشهر أنت في وجهي "قلّوبية" صدئه
أو نبلةً بلستكي طيران(2)
لم تكن تلك هواياتْ. فما جدوى أن تشوي طائراً في حجم الدوري ود ابرق؟ ربعُ لقمةٍ سائغةْ أو حتى أقلْ. لكنها كبرياءُ الصائدينْ.  كذلك أين كانت الهواية حين قطعتْ نهر النيل سابحا حتى الجزيرةِ توتي ونحن نرقب بين ذعرٍ وانبهارْ ورجعت، يومها،َ مزجورا على مركبٍ ألح صاحبها أن يأخذك لأهلكْ لولا أن قلنا له: لا أهلْ لك، يا عمنا والله لا اهل له. حيلةٌ مررها أصغرنا وهو بعدُ في لباس داخلي لم يجفْ. فغادرنا الريسُ مغاضباً يضرب بعصاه النيلْ، وكان فيه مسٌ من محَسْ.
هل يستوي جمعُ الطوابعِ والشقاوات العديلْ؟
صحيحٌ أن طابعَ فورموزا كلفني رهقاً ودقْ.
لكنني تمسكت به كنزًا عزيزًا كالحَدقْ.  
إذ لم يك في أم درمان كلِها من حاز مثلي طابعاً لهذه البلد.(3)
و...تسألني أن أفتح الملفْ. و ذاكرتي قابلةٌ للطرقْ.
يستوي فيها خيالي والمدّونُ. لاتَ فرقْ.
ذاكرتي تجيبك عن سؤالك في طشاش عن السينما وزمجرة الرغائب بالذهاب.
حسنٌ. كيف كان عبورنا لخور أبوعنجة على ما قيل عنه: ربابيطٌ، ملاقيطٌ، عفاريتٌ، على شكل ذئابْ. وكيف شققناها أزقة بانت عابرين على شوكِ التهجس بالتحرش، لأن الدنيا وقتها كانت أقاليماً إذا لو كنت ذاكرْ. كانت بها شبهة قرابة بالكلابْ. فكلُ حيٍ فيه كلبٌ يزدريه عبورُ كلبٍ ليس منه. وتلك قاعدة رعيناها على ما تطلبه الأمر من عقف الأذانب.
لكنني، فوق ذلك، لم أكن أحبها سينما بانت لأنَها يرودها رهطُ العساكر. لم أطق سينما العساكرْ. وما ذهبتُ إلا لأثبتَ لك أن فوندا(4) هو الشريرُ وجيمز ستيوارت كان البطلْ، كان الملاكْ. على عكس ما عرفنا. وكنتَ تقول باستحالة ان يكون فوندا هو الشريرُ. صحيحٌ، كان أغلبُ أفلامه، صديقاً للبطل أو خائناً أشرْ لكنه، في خاطري، كان دوماً بطلْ، لكونه كان والداً لجين(5)، وللسينما مشاويرٌ سنذكرها. بانت، العرضة، برمبل- قديس- ومن ثم، البلو نايل، وطنية غرب. رطانةُ عاشقين. الحبُ يعني ألاّ تضطر لأن تقول إنك آسف. هل كل هذا، تذكره هناك، حيث نهاية التاريخ والسينما أم أنك مكتفٍ بتذكر سين؟
ونذكر سين.
نذكرها على مر السنين.
نذكرها لكي نجيب الاسئلة، أو أننا نزكي الترهات، أو نذهب إلى المحطة الوسطي، كي نجلب عاملاً لان الدنيا قبايل عيد. أتذكرهم، أمام قهوة شديد؟ يجلسون من فجرٍ لأن الرزق، وقتها، كان يوزع في الصباح ليس كما هو الآن يوزعه ابناء كارليوني من قبوٍ أسفل المرقص(6)  و تسألني عن كيف تم كل ذلك. كيف تم عقد قراننا بالمعرفة؟
إنها السينما، خلعتْ علينا رداء الزهو مصحوباً بموسيقى. أتذكر كم عرفنا منهمو، مَن يصنعون للرؤى موسيقى، حتى أتاهم من صنع للحن رؤاه(7) بل صنع رؤيا من موازير الغناء. هل رأيت الصاوي(8) يتلو عليك أسماء من ألّفوا الموسيقى لقتل طائر ساخر أو حتى لجملة ما أتى من لدن جيمز بوند وصانعه فليمنج. في مشوارعودته لبيتهم بالموردة، يماطل الصاوي الظلامَ بالرؤى، أتى بها، ويصغي، لمّّا يزل، لبداية الدور التاني وفيه، كما روى، شيئ من الحسد. في جيده شيئ من حسد، الدنيا كانت امتحانات لكننا لم نكن نصدق ان دخول السينما مضيعة لوقت. كنا ندخل السينما لان الفيلم موسيقاه من صنع برنشتاين أو جولدسميث أو موريس جار. ولكنك بالمناسبة لم تكن تحب مارلون براندو وجيمز دين، رغم علمك بيسارية مزعومة، كما عرفنا بعد عهد وزمان، للمعلم اليا كازان. ولم تكن بمأمن من براندو ودليلي على ذلك التي شيرتك الأسود.
لم أدر كيف حصلتَ على ذاك القميصِ الاسودِ؟ من الطوخي أم الزيات؟ أو هو من حسن صالح خضر(9) وتضحك سعادْ لفظاعة تخميني، إذ لايبيع هؤلاء السادة ملابس، فهم تجار خردوات. ولم تُذهب سخريتها مني قولتي بانهم قد يفعلون ذلك في الاعياد. بل ردت الأمر إليّ فقالت، أنت ما أدراك؟ وهل كانت مشاويرك إلاّ مُطرّفاً بالسوق كي تحضر لأمك قرص بقانين ومبتعداً عن نيوب الليث في واجهة المكان.
كانت سعاد قد بانت من تحت ترابيزة المكوه لتشهد مبارزة محتملة بيني وبينك على غرار ما رأته منا حين لعبنا فيلم الضحى الاعلى، (10) فهي تدري أنك لا ترضى الحديث خارج ألعابنا عن تقليدك أبطال السينما، ولكن رويدك يا صديقْ فذلك القميص الاسود هو نفسه ما كان قاشراً به براندو في فيلمه العجيبْ الذي وصفته بأنْ ليس فيه سوى غرابة اسمهِ، جاك ذو العين الواحدة،(11) وحتى هذه ترجمها ذلك الخطاط ذو الشعر الكثيفْ الذي كان يكتب أسماء الافلام، ترجمها بتصرفٍ قسوة الانتقام واستوى على غبار الطرقات يدعو الناس من على عربةٍ يجرها، في سرهِ، حمارْ، أيها الناس هلموا. إنه أقوى من صراع في الوادي وأقوى من جانوار،(12) ثم لا ينسى أن يأخذ فص عنكوليب أو مخروط داندُرما نظير وقفةٍ مرموقة عند باب السينما!
أنت الآنَ بعد ان تغدينا وفرغنا للبرنامج الاوربي ما بعد نشرة الاخبارْ أو لفيصل النور التجاني(13) تخرج للفناء الخلفي بذلك التي شيرت وتجلس تحت الشمس تلقط بالملقاط حباتِ الشباب، رغم تحذير الوالدةْ. ألم يفعل براندو نفسَ هذا الشئ في فلمهِ؟
ألا إنك في مأمنٍ من سلاطتي، وليتك كنتَ هنا لتسمع وصفَ شخصٍ اسمه دريدا لحرب الخليج. ألم يقل إنها ألعابٌ تلفزيونية؟ بل قال آخرٌ إسمه بودريار إن التلفزيون هو الذي يشاهدنا، بالغَ هذا البودريار أليس كذلك؟ ولكن دعك منهم فلن تهمك تعقيدات ما بعد الذهاب.
أتذكر سين؟ وأنا وأنت وآخرين
وأخريات
والحفلة كانت ب"عوض الكريم". صبحيةٌ أخرى جريئة من صبحيات أم درمان، مفضوحُها الصبُ والصباتْ، حيث لا ليلٌ يسربل النظراتْ ولا يعلو على روؤس الجرتق غير فوح الأماني الضارياتْ، واما القيزان فيضايرنها الخالات.
بالله عليك دعني أحكي لأن جوهر انقسامك عني، قبل زمجرة التناتوس Tanatus، يتحسس الباحث بعضاً منها في ما يلي وما هو آت.  فسين، في حمى تخبط الوجد النهاري على الملأ، لم تكن لتتوقع، سين مين، بل أي إلاهة بلا أعباء Goddess at large لم تكن لتتوقع أن تطلب منها أن تجلب لك (لقيمات)، يا إلهي، أذهلت كيوبيدَ واللهِ.  نقل الإسعافُ إلاهة الحب مغشياً عليها. لقيمات؟
أنا لا أشير لصعوبة جلبه، وقد لملمتِ الخالات أقداحه، بل أشير لطلبه. لم أدر كيف يجرؤ أحدٌ أن يعطب وَجداً بدهنٍ تنز منه لقيمات؟ وهذا لو حدث بعد سنين لكنت قلت عليك وأنت تطارد في المرآة تلك الحشرة المسئولة، في زعمك، عن حَب الشبابْ، ولا وجود لها، لكنت قلت: إنها الواقعية. من الواقعية الاشتراكية أن تطلب من حبيبة مرجوة، تراها لأول مرة في بيت عرس، أن تحضر لك شيئاً من جوا، من باطن عقر المضيف.
في ذلك اليوم ذهب مرتضى دون أن يأخذنا معه. أتذكر؟ ربما باعنا مرتضى تلك الليلة من أجل نورا وهي لم تكن تحبه وتزوجته زورا، وهما الاثنان للمناسبة في نواحيكم إثر حادثٍ مشين. أقول ربما باعنا وربما طلبت منه سين أن يتركنا لها، هكذا كانت تريدنا جمعاً، وليس مفرَدينْ. يتركنا لها. وما لم تفهمه، يا بعيد، هو أن سين لم ولا تحب القسمةْ.
قلت لنجم، وأنا أبحث عنك وسط أولياء الطشمة، قالت إنها تحبه. فقال لي، دي؟ أم مخاخيت دي تحب شنو؟ كان قاسياً كعهدنا به اذا ذكرنا الفتياتْ، أتدري أنه تزوج، قال، لأنه لم يجد جميلةً في قبيل العاهراتْ. وكنت سأدافع عنها وأقول إن المخاخيت توقفت لعلاقة عكسية بينها والنهدين لكنني رأيت لحظتها البراقْ.  نعم البراقْ.  ذاك الذي أخذتنا فيه حتى بيتنا ومررنا به فوق سيارة مرتضى فرمَتك سين بنظرة سنينة لأن مشهد نورا كان قد خلبك. كانت نورا بأضواء المساء محضورة.  فقلتَ أنت، يا لَلجمال.
بأبي وأمي أنت يا أخي، معاكسَ النجماتْ،
من المناسب أن أحكي لك ما سمعتَه من قبل ولم تصدقْ بل ما فعلته أنت نفسُك ولم تصدقَه لأنك الآن في مقعد صدقٍ لا يحتفي ب ولا يحتوي ابعادْ.  فتقبلني بعرفانٍ أخاً لك من إرما أم قدودْ التي ليس بها غير الجوى وهوان العهود.  
ما حدث ببساطةْ هو أنني، عندما عثرنا عليك، علمتُ منك أنك ذهبتَ مع أولاد ود أرو وأعادوك لبيت الحفلة في حال يسهل معها تصور البراقْ وغيره من العجائب الممكناتْ لكنك عقلنت سطلتك وتذكرت سين.
سين هذه التي سبها نجم الدينْ وهي أطعم من زوجه البدين. سين، يا عزيزي، أقوى من الدهاقنة السلاطين وأرق من نسمة كما قالت ستنا أم كلثوم. لكن نجماً وأمثاله وحتى أنا وأنت وسائر العباد لم نُعطَ من عرفانها بأكثر من بقعة أو بقعتين على غلاف مجلة الشبكة.
ذات مساءْ كنت بشارع النيل، بصحبة امرأة لا أعرفها فإذا بي أشوف لك سين، تمشي غير بعيد عن مجلسنا وبصحبتها رجل لا أعرفه. لا تبتئس، فمقصدي من الحكاية أعمق من أن يكدرعليك أبديتك الوارفة. وبشارةً بذلك هاك فزورة أعطيك لحلها مهلةً سبعينَ ألف سنةً ضوئيةْ، إن كنتم هكذا تعدون. أو في رواية أخرى: الفورةَ عندكم بالفرسخ والهكتار، وما وسعت رحمته الواحد القهارْ.  كم عدد من لايعرف بعضهم البعضَ حتى الآن؟
......
كذباً كاذب، ثم فيما العجلة؟ أم تراك شرعت في أسطرة البرزخ بحسابك الذي حررته كما زعمت من سطوة ارخميدسْ وذهبتَ قبل أن تشرح لي لماذا نغيّر اسم شارع الزبير الي شارع كوبرنيكوس، هذا الذي ظننت أنه بائع جبن رومي على تقاطع الجمهورية والقصر.
عندما رأيتُ سين ومن معها، المرأة التي جلستْ معي، على زعم المساجْ، تجشمت شوك السياجِ وأدبرت. ورحتُ أنا في حمّى استجوابي المفجوع أشربك أطراف الحديث. كان استجواباً ضافياً ذا نتائجَ باهرة، فلقد نفتْ سين أنها هي سينْ رغم غباء من معها إذ تدخلَ كي يؤكد أنها هي سين وماذا سأفعل. وتم تبادل نظرات حدرة، ليس بيني وبينه، بل بيني وبين سين كأنها تسألني عن رفيقها، ما به. وكانت حجتها القوية أنها هي سين ولكنْ ليست سين التي أعرفها. وهنا انبسط صاحبنا معتبراَ هذا القول انتصاراً له. وهي لم تكن سوى منكرة وتدري أنت إنكار البشر. أتذكر مختار حينما ضبطه والده يدّخنْ في الديوانْ وما كان منه الا أن قال: يا أبي هذا ليس أنا. فصاح الحاجُ والده: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وخرج. ومختار، فيما بعد، قال إنه كاد يشعلها مرة أخرى نشوةً وانتصاراً.
حقيقةً أعددنا خيالنا لفادح الإنكار. فارجع لسنوات الطفولة. هل تذكر ربيعْ الذي هو الآنَ اخصائيٌ تليع؟ كان معنا في روضة بِسمِّلا(14) أنت لم تكن معنا طبعاً ولا أذكر لك روضةْ. ربيعٌ هذا فعلها يوماً في الفصل وتوكلْ. وكادت المعلمة أنت تقضي رائحةً،لولا أن قامت، وبعملية تحديدِ موقعٍ أنفيةْ، وحددتِ الكنبةَ حيث جلس ربيع وتقدمت بحذر فشافت البلل وأخضر الضبابين، لكنه أجاب على سؤالها، أنت عملتها بأن قال بعزة عجيبة، لا، ما عملتها.
ولا زلت أعد إجابته تلك من خرافات ما قبل المدرسةْ ومن أقوى الاجابات!
ونرجع لسين. فهي قالت إنها هي، الآن، ليست بشْر. أرأيت مثل هذا إنكار؟ لا، وقامت مثل شوارزنجر، أتذكره في فيلمه ذاك، حين خلع عينه أمام المرآة ليصلحها لانها اصيبت؟ فمثله قامت سين فكشفت عن جيب بلوزتها فرأيت هناك سوستة، ليس في البلوزة، بل في ما بين نهديها وقالت لي: أنا أندرويد.
قلت لها: اندرويد؟ لا بالله؟ يعني عشان زريتك مع واحد تاني تعمليها لي خيال علمي؟
قالت: أنا ممكن اقلع ليك قلبي تشوف الفيوزات الفيهو وترجعو.
قلت لها: تقلعي لي قلبك؟ إنتِ رجعتي القلوب القلعتيها؟
ولم يكن فينا، بعدُ، أندرويد. وصدّق أنه لم تكن هناك فكاهة. فأنا انزعجت من الثقة، انزلقت في مرونة الخيال. ورغم ذلك فسين لا تكذب فهي ليست من نسلنا، ليست من نسل آدم. وهي التي علمتني كيف أميّز بين نسل آدم وأنسال أخرى ذكية. وللمناسبة فلقد تزايد عددهم بقدر مذهل بأكثر مما كان في أيام محاولاتك أنسنة بعضهم، تلك التي انتهت لكوارث لا زلت أحفظها عن أعين المتطفلين، ولن آتي على ذكر تفصيلها لأحد. ولكن، سألتها، من هذا الأحمق الذي (كفشتها) معه.  قالت: آه إنه لايرى. واضافت: لم ير ما أطلعتك عليه لتوي! ثم بقوة قالت: ألا تصدق ما أقول!
والتفتْ نحوه وقالت: أنظر لوجهي يا عولاقي.
فنظر الأبله ملياً ورفع كتفيه دون أن يبدو أنه رأى شيئاً.
كان ثمة دودٌ أخضر يخرج من بين عينيها. وكانت تأخذه بحنان ورقة وتضعه على النجيل فيختفي ولكن ليس بالضبط في هيئة دود بل في هيئة لا يملك وصفها أي تعبير. قالت لي: ألم أقل لك أنه لا يرى. ويحيا بجسد ذي علاقة غريبة مع الذاكرة. سرعان ما تنمحي وتعود بكراً، والآن سأرديه إلى نشء جديد. إنه كائن يتغذى بالموت. هكذا قالت ولا تسلني كيف، وأنت أدرى. وبدأ الرجل، أو ربما ذلك الشخص، خروجاً بصدى الحلزون يطرق أذني، ثم إذ به بعض حفيف على ورق الشجر.
تبسملت وقلت: يا سين أنت كإنسانة، تصلحين. أرجوك تعاملي معي كبشر.
فسألتني منك، قلت ابعثي له عولاقي، قد يأيتك بالخبر اليقين. تسأليني عنه وأنت من الغيوب تقتاتين؟ قالت: سألتُ كما تريدُ، كما البشرْ. وكنت كمَن يريد ولكن تأخر.
قلتُ أنا الذي يحتاجه فهل تأتينني به، هل تقدرين؟
وحين قالت: بلى، شهقتُ فحط شرطيٌ قبضته القوية على ذراعي. أول ما ذكرتُ أننا كنا في شارع النيل ليلاً. وتلك ساعة يتلمظ مرأى النقود فيها أيُما عسس!

*

يا حبيباً بتُ أشكو حرقة الوجد إليه، بلغني بأن على جانبكم من الحياة معارف جديدة، وربما مراجعات كنت أنت الأكثر حدة تجاهها. كنتَ لا تحب المراجعات. فهل أنت الآن أفهم مما كنت عليه معنا؟ هل أنت تفهم بشكل مختلف وأحسن بحيث أن سخريتك من (سين) للحد الذي جعلك توظفها لتلبياتك التي لا تشاركك فيها هي وبلا أدنى مكافأة منك لها على صبواتها، سخريتك تلك لا تزيد عن أن تبديك في صورة قديمة وآسرة  لزاهد فقيد وأنت الآن لا يرضيك تمرينٌ يتراخى فيه ارتداد الطرف ليبصر عودتك؟
وان كانت لك وصايا تردي بها سين لعالمنا من حين لآخر، وبتجاوزٍ لا تخطئه العين، عن وصل حميم لها مع شخوص غاربة فلماذا لا تزوّدها بوصايا لنا لا تسندها اجهزة حتى لو جاءت من وزن وصايا الأرض في ريش الحمام؟ أو من فضةٍ، زبدٍ وشوقْ، أو ما تشاء؟
هذا النص، وآخر سابق له، لن يوفيا تذكري لشقيقي حافظ مدثر.

حواشي

------------------------------

(1) صاحب كشك لبيع عصير الليمون امام محكمة ام درمان الشرعية.
(2) النبلة هي مفردة النبال كما في قول خليل فرح: نحنا النبال. وهي أداة لصيد الطيور تصنع من سيرين يقطعا من لساتك اطارات السيارات ويربطا على عود بشكل Y وكان منها نوع مصنوع من سيور قيل إنها من لساتك اطارات الطائرات فيقولون عليها لساتك طيران بما يعني تفوقها في الحدف وغيري أعلم!
(3)  بلغنا ونحن هواة جمع طوابع أن هاوٍ في نمرة اتنين، ولم نك بعد في سن قطع الكوبري بين ام درمان والخرطوم ولا نرى أن نمرة اتنين كانت أقرب من الحجاز، بلغنا أنه إحتاز طابعاً لفورموزا، وهي تايوان الحالية، فشحذنا هممنا لنجد طابعاً لهذه البلد العجيبة التي دام وجودها كدولة لستة أشهر فقط، ومع ذلك كان لها طابعها زي العجب. وحدث أن عثرت أنا على هذا الطابع النادر في كوشة في ميدان الملجا بسوق ام درمان ونازعني فيها بعض من كانوا معي واشتبكنا بالايادي فدافعت عن حيازتي لها ودام ذلك الصراع قرابة الساعتين، على طول المسافة بين ميدان الملجا وأطراف الموردة الشمالية حيث حي الهاشماب. وكنا نصطرع ونصطلح.  وعند وصولي البيت كان الطابع مكرفس لكن والدتي بحكمتها قامت بكيه لي بالمكواة وهي تآذرني في صمودي بعد الحصول عليها.
(4) فوندا هو هنري فوندا الممثل السينمائي الذى نال الاوسكار عن فيلم " في بحيرة ذهبية" على آخر أيامه.
(5) جين هي جين فوندا إبنة فوندا المذكور أعلاه وهي جين فوند وبس. علم على رأسه نار.
(6) روايات ماريو بوزو مؤلف رواية العرّاب، فيها دائماً رجال العصابات الذين لا ينامون ويصنعون المال أغلب الليل.
(7) يشاع ان ثيودوراكيس وليس كزنزاكيس هو من وضع موسيقى فيلم زد Z قبل الفيلم.
(8) الصاوي هو عبد الوهاب الصاوي السفير السابق ويمكن أن تكون الاشارة معني بها شقيقه الأصغر المهندس مصدق، لا فرق.
(9) كلها اسماء محلات أو اصحابها بسوق أم درمان.
(10) هو High Noon هاي نوون، فيلم كاوبوي شهير بطله جاري كوبر.
(11) One Eyed Jacks فيلم كاوبوي أخرجه ومثله مارلون براندو. تعلم براندو وجيمز دين وبول نيومان وآخرون فيما عُرف بمدرسة الطريقة Method التي أنشأها المخرج إليا كازان في الخمسينيات.
(12) أسماء أفلام سينمائية شهيرة.
(13) معد ومقدم برنامج ركن الجنوب في الستينيات.
(14) مدرسة مس ميللر (خواجية من المستعمرين) وكان الناس يقولون مدرسة بسمِّلا.