Monday, 6 February 2017

أبو القدح

أبو القدح،
شنوا أشيبي
(بتصرف)


- أنتا أبو القدح دا، يعني ما لقى زول يقول ليهو؟
- يقول ليهو شنو؟
- يقول ليهو المسألة ما قدر كدا يا خينا، والتأقلم أحسن من ال بتعمل فيهو دا.
- تأقلم شنو يازول؟ دا شايلا تقيل شديد.
- هسع تشيل منو القدح دا يقولو ليك جريمة وحقوق حيوان وبتاع.
- افتكر إنو عمل عملة في الماضي السحيق وما مصدق إنو ما اتعاقب عليها.
- ياخي اليوم ديك واحدة أم قدح، يعني الانتاية، إتقلبت فوق ضهرها، وقعدت تفرفر لما جا أبو قدح قلبها.
- أبو قدح؟ يعني ود حلة ساكت. حسع لو ما كان جا؟
- لا هو جاها جاري والله، شهم يعني.
قام فقعوها ضحكة والونسة استمرت.
- إتخيل أنتاية أبو القدح تكتشف إنها ما جابت قدحها معاها للحمام فتقوم، لأنو مافي زول في البيت، تاخد الجرية ملط من الحمام للأوضة. قادر تتخيل شكلها كيف؟
ضحك صاخب.
- أها والشافها منو؟
- الكلب. كان راقد فوق الحيطة وأصدر نفس الصوت البيطلع منو لما يكون زهجان.
ضحك متواصل لغاية ما دخلت عليهم خجيجة وغزت كوعها في الضلمة وكان معاها بت صغيرة وكانت السيجارة قد ماتت من الضحك.
- دي بت منو يا خجيجة.
- انتو تضاحكو مبسوطين وأنا الصداع عايز يكسر رأسي. دي بت عاتقة. خلتها عندي عشان هي ماشة عرس.
- حلاتا. كيفك يا شابة؟
- هاك عليك الله نومها لي أنا ما فاضية ليها.
- تعالي يا حلوة. صلاة النبي. تعالي.
تأتيه البنت الطفلة على استحياء. يضعها في حجره ويقول لصديقه.
- بالمناسبة شنوا أشيبي عندو قصة عن أبو القدح أنا ح أنوم بيها البت دي الليلة. ويضع البت على السرير ويبدأ هو جالس على كرسي في سرد قصته.
أها الطيور كانوا معزومين وليمة في السماء. ففرحوا بالعزومة وابتدوا يستعدوا فمسحوا جسمهم بالزيت الملوّن ورسمو عليهو زخارف جميلة. أبو القدح، مكّار جداً، شاف الحاصل دا وقعد يفكر. حقيقة أول ما سمع بالعزومة بدا حلقه ياكلو. وكانت أيام مجاعة، يعني زي ليهو شهرين ما أكل وجبة سمحة. وجسمه ابتدأ يكركب زي الخشبة الناشفة جوا القدح. عشان كدا فكر يخطط للعزومة ال في السما دي.
قامت البت قالت: لكن هو ما عندو جناحين؟
- طيب ما تصبري. ماهي دي القصة ذاتا.
أبو القدح قام مشى للطيور وطلب منهم يخلوهو يمشي معاهم.
الطيور قالوا ليهو: ياخي بنعرفك كويس، إنت زول مكار وما بتحفظ الجميل، لو سقناك معانا ح تقوم تستهبل علينا.
قال ليهم: لا لا، إنتو ما عارفين. أنا ما إتغيرت ياخ. إتعلمت إنو من عمل حفرة لأخيه وقع فيها.
ولانو أبو القدح كان لسانو حلو، شوية شوية، الطيور إقتنعت إنو إتغير فقامت كل طيرة أدتو ريشة عشان يعمل جناحين.
في يوم العزومة الطيور كلها اتلمت في مكان واحد عشان يتحركوا مع بعض. أبو القدح كان أول زول وصل. ولما الباقين وصلوا قاموا طاروا كلهم في شكل واحد. أبو القدح كان فرحان وسطهم و لأنو كان خطيب مفوّه اختاروهو متحدث بإسمهم. قام وهو طاير وسطهم قال ليهم: في حاجة لازم نتذكرها. الواحد فيكم لما يتعزم عزومة زي دي مفروض يقوم يغير اسمه عشان المناسبة. ضيوفنا في السما بيكونو متوقعين إننا نراعي التقليد دا.
طبعاً ولا واحد من الطيور كان عارف إنو في تقليد زي دا لكنهم اعتبرو أبو القدح صاحب خبرة وسافر كتير وبيعرف العادات والتقاليد بالرغم من إنو سمعتو في مناسبات تانية ما كانت طيبة. فقام كل واحد غير اسمه وأبو القدح سمى نفسه كلكم.
أخيراً وصلو السما وأصحاب الدعوة فرحوا بجيتهم ووقف أبو القدح بثياب ملونة وشكرهم على الدعوة. وكانت خطبته جيدة لغاية ما الطيور كلهم فرحوا بكلامه وقعدوا يهزوا ريسينهم ويعاينو لبعض مبسوطين. كبير المضيفين إفتكر إنو أبو القدح هو ملك الطيور خاصة لأنو شكلو كان مختلف عن الباقين.
وبعد توزيع جوز الكولا ناس السما قاموا رصو أكل كتير، حاجات ما شافها أبو القدح حتى في أحلامه.
الحساء والشوربات اتقدمت ساخنة من نارها وفي نفس الماعون اللي اتعملت فيهو. وكانت الشوربة مليانة باللحم والسمك. أبو القدح قعد يتكرف بصوت مسموع. بعدين كان في يام دقوقة، بطاطا حلوة، ويام مطحون مطبوخ بزيت الجوز وسمك كتير. وبرضو كان خاتين كناتيش مليانة بالمريسة. ولما كل شيئ بقى جاهز، تقدم مندوب من أصحاب الدعوة وضاق من كل أكل شوية ثم دعا الطيور للأكل لكن أبو القدح نطا وسأله: لمنو الأكل دا كلو اتعمل؟
الراجل قال ليهو: لكلكم.
قام ابو القدح اتلفت للطيور وفال ليهم: طبعاً انتو عارفين اسمي، كلكم. والتقليد هنا إنو البياكل في الأول هو المتحدث الرسمي والآخرين يأكلوا بعده. فهم ح يخدموكم بعد ما أنا آكل. وبدا ياكل والطيور يعاينو ليهو زعلانين. ناس السما كانوا قايلين دي العادة انو يخلو الأكل كله للملك. وهكذا أكل ابو القدح أحسن الطعام وشرب بخستين من مريسة الجوز. لغاية ما اتملى وجسمه ملأ القوقعة حقتو. بعد داك الطير اتلمى ياكل البواقي ويمصمص في العضام ال رماها أبو القدح وبعض منهم ما قدروا ياكلو من الزعل واختاروا يطيروا راجعين بيوتهم على الجوع. لكن قبل ما يطيروا كلو طيرة قلعت ريشتها من أبو القدح وزولك وقف منفوخ من الأكل والشراب لكن بدون جناحين يطير بيها راجع. قعد يحنس الطيور إنو يوصلو منه رسالة لأهل بيته لكن الطيور رفضت. لكن بعد تحنيس ورجاء الببغان اللي هو كان أكتر واحد زعلان في الطير وافق فجأة انو يوصل رسالة أبو القدح لزوجته. قام أبو القدح قال ليهو:
- قول لمرتي تطلع كل المراتب والمخدات كلها ولساتك العربات كلها ال في البيت وتردمها لي في الحوش عشان أتلب فيها من غير ما أتعرض لخطر.
الببغان وافق يوصل الرسالة لزوجة ابو القدح وطار. لكنه لما وصل بيت أبو القدح غير الرسالة وقال لمرة أبو القدح:
- أبو القدح قال ليك طلعي كل الحاجات السنينة وبتجرح زي السواطير والسكاكين وأب راسين والعكاكيز وختيها في الحوش.
أبو القدح لما عاين لتحت من السما شاف مرتو بتطلع في حاجات لكن لأن المسافة بعيدة ما قدر يفرز الحاجات ال طلعتها دي شنو. أها لما كل شي بقى شكلو جاهز ابو القدح قام تلّب. ووقع.
وقع، وقع لغاية ما خاف انو أصلو ما ح يقيف من الوقوع وبصوت داوي سقط في حوش بيته المليان بالموجعات.
البت سألت:
- أها، مات؟
- ما مات لكن قدحه اتكسرحتة حتة. ومرته فكرت وفكرت. الحلة كان فيها بصير أشتر كدا لكن تسوي شنو مافي غيره. قامت رسلت يجيبوهو ليها. لكن لأنه أشتر ما عرف يلم القطع زي الناس فقام لصقها بأي طريقة.
البنت أخدت ليها صنة كدا وقامت سألت:
- عمو، صحي أبو القدح بعد داك اتزوج فوق مرتو كذا مرة لأنو مافي زول قدر يعرف عمرو كم؟
الراجل وصاحبو فقعوها ضحكة.



Friday, 3 February 2017

أسئلة القرين

أسئلة القرين

مصطفى مدثر



لِمَاذَا تشير مصابيحُ المرورِ،
لو أنني في طرقي على برودةِ الدروبِ،
سألتُ
لشخصي أم ظلالِ الأغنية؟
لفرحي طالعاً من جرحي؟
أم لكائنٍ نبا فيما وراء المرايا،
كائنٍ خبا،
في أسطح المساءِ،
خاصرات الزوايا.
لماذا تشيرون إليه/إليّ، أنتِ/هو، أنتَ/هي
وأنتم وهُم يا كلكم
تحفظونني لكم،
على الوجه الذي يسركم،
لماذا لا تفصّلونني لكم
عباءةً تقيكم ما استبد من رؤى
وما تفلّت من منايا

-----------

لماذا يشير الناس لما لم أكنه؟

وكيف يصمون آذانهم عن رنين العهودِ
تراوغُ حتمَها في سحيق النسيان؟
هل لميتتي تحيلُ هذه الدلالاتُ
ريثما أنقّضُ عليها بأخذ الحياةْ.
أقطّع أوصالها اللغات.
أخرج مثل ظلي،
فوق ظلي،
أطوي تحت إبطي صورتي
أبحث في حبورٍ عن صفاتك،
كائني
يا دُلني عليك وافتقدني.
يا كائني يا صائني
يا مبطني وخائني
يا دُلني
أي المشاوير إليك،
أي الإشارات لأنتزعني منك
قبل أن تعيدني إليك.

سبتمبر 2016

Friday, 9 December 2016

وجوه أخرى للنباتات


وجوه اخرى للنباتات
قصة قصيرة

عندو عود كدا، قال مخصوص، ساط بيهو العلبة لما اخلاقي ضاقت. بعد داك قام قفلا. وقعد يلعب بي شوية الدقن ال عندو قلت ليهو شنو يا استاذ انا ما راجي آخد لي سفه من صنع يديك المدهش. ولا عاين لي ذاتو. قال لي شوية كدا. قمت بزعل خفيض سالتو شنو يعني. الساينص شنو هنا؟ قال لي مافي ساينص. هنا حكمة شعبية. رفعت صوتي شوية وقلت ليهو ياخي انا عايز سفه من غير حكمة شعبية. رد علي بازدرا واضح ما انتو ال بتبوظو الكوالتي باستعجالكم دا. سكت افكر. كلامو نوعا صاح وبعدين لقيت في ذهني استهانه بالمادة قيد المناكفه ذات نفسها. وسمعت جواي صوت بيقول لانو المادة دي اسمها سعوط فهي ما ممكن الزول يتحدث عن كواليتي ليها. قام هو فاجاني وقال لي عشان سعوط؟ ياخي النباتات دي كل واحدة ليها شخصيتها وبتتوقع انك تعاملها بالطريقة ال بتحبها عشان تديك العايزو. قلت ليهو يا استاذ شحتفت روحي ياخ. كلها سفه ونخلص. وبعد اتفها عندي سيجارة ح اشربا وكاسين. عاين لي كداااا وقال لي شنو البشتنه المتلاحقة دي. قلت ليهو متلاحقة متلاحقة. قام فاجاني بالكلام دا قال لي افتح العلبة وسف. قمت خفت وقعدت ساكت اعاين ليهو قام ضحك خشخشه كدا وقال لي دا السعوط هو ال دخل فيك التردد دا لانو هو ذاتو متردد. سألتو السعوط متردد؟ مالو؟ قال لي وهو يلعب مرة اخرى بدقينتو ماهو شوف العطرون العندي فيهو شوية حموضة انا لي كم يوم بحاول اعرف كيف اتخلص منها وحتى مشيت لاستاذ في كلية الزراعة وما لميت فيهو. وسكت. قربت اقول ليهو ما مشيت معهد الذرة لكن خفت سفه ذاتو ما ح اطلع بيها منو. و هو دخل في حالة تأمل كدا وقام هبش العلبة بطرف أصبعه وقال لي النباتات دي ما ساهله كاينات موش حية وبس. وواصل بطريقة فيها كتير من العاطفة وقال لي ياخي هل تعلم انو الصمغ العربي بيحب الدكتاتورية؟ انا كنت عارف انو زمان حصلت ليهو مشاكل واتهموهو بقتل زوجته لكن طلع براءة واتعالج لفترة وانو في النهاية الناس صنفوهو انو رجل حكيم فسألتو كيف يعني الصمغ بيحب الدكتاتورية؟
زي ما بقول ليك. دا كلام علمي. في باحث رصد القصة دي ولقى انو لما يكون في دكتاتورية في البلد الصمغ العربي تجرح الشجرة كدا تبهل ليك الصمغ ولما يكون في ديمقراطية وتصويت وبتاع الصمغ العربي ما بديك سمح. قلت ليهو يا استاذ الكلام دا شوية غريب. لكن هو كان تقريبا في منتصف الحالة التأمليه ال دخل فيها فقام قال لي ما غريب إلا الشيطان. بتعرف الزعفران؟ قلت ليهو ما بعرفوا قام شرح لي انو نبات فيلسوف. اذكر زمان قالو انو كان طالب طب ومرة في سؤال في الامتحان ما غلبو لكن ما عجبو قام اجابتو كانت ابيات من قصيدة ل وردث مين كدا ما عارف شاعر انجليزي. قمت افتكرت انو الزعفران دا مذكور في القرآن ايه كدا والزعفران قام هو فاجاني للمرة الرابعة وقال لي الزعفران ظلمتو الكتب القديمة ربما لانها كانت بتدعو لمجتمعات غير المجتمعات ال ممكن يزدهر فيها. يا زول. دا انا في سري. ما لقيت ما يمكن ان اقوله وما اكون اهبل قدامو فواصل وقال الزعفران عايز مجتمع مثقف و واعي. واول ما سمعت كلمة مثقف تحسست مواعيد شربتي واحس هو بتململي فقال بابتسامة شاحبة على وجهه اها لي هسع السعوط بيكون لقى القلويه الضايعه في العطرون. قلت ليهو كلمني عربي يا استاذ قال لي ممكن تسف.



Monday, 28 November 2016

Civil Disobedience in Sudan


Civil Disobedience in Sudan
By Taha Jaafar

Nov.27.2016 was the first day of civil disobedience in Sudan. Groups of activists in the social media, mainly Facebook, Twitter and WhatsApp besides websites such as alrakoba.net and sudaneseonline.com, started calling for a three day strike 27-29 Nov.2016.
The first day was a success were the Sudanese people in Khartoum and other cities such as Wad Medani and Atbara just stayed at home, mainly workers in private sector and some of the workers in public sectors, many private schools and universities gave three days off for workers and students to participate in the strike. Reports from the press said the banks in Khartoum have only done less than 20% of their routine daily transactions, Khartoum Financial centre ( stock market) reported a loss 280 million USD in the first day.
Sudanese opposition chose the strike to avoid mass killing similar to the one that took place in Sep. 2013 demonstrations, as more than 300 protesters were shot dead by government-run militia, which is known as People’s Security service, a secret organization that is completely made of Muslim brotherhood members, also known as Sudan Islamic movement. The victims of mass killing operations of Sep. 2013 or their families did not find justice until today as the Islamic government of Khartoum is denying its responsibility about that and blamed militant oppositions groups in Darfur, Nuba mountains and South Blue Nile. Everyone knows that those groups are only active in the regions mentioned before but not in Khartoum where the mass killing took place. And their role is mainly to defend the Sudanese in Darfur, Nuba mountains and Southern Blue Nile from government offensive air strikes and land troops and Janjaweed militia attacks. Sudanese Military opposition mainly use their courage in that sincere human effort where they function in bad conditions, lack of logistics and absence of regional or international support. The presences of African Union and UN Peacekeeping forces and international  human organizations have been useless as Khartoum regime controls their activities and limits their role in ways that enable it to practice genocide.
That’s beside the known brutality of government against peaceful demonstrators which resulted in making peaceful opposition groups go to the choice of Civil Disobedience which was tried before in the overthrowing of militarily regime in Oct 1964 and in Mar-Apr 1985 and succeeded in bringing democratic governments through public elections. Now the chance of trade union strikes is not in consideration because the ruling Islamic military regime dismissed trade union activists and leaders from work in public sectors such as Sudan Railway, River Transport, public works, educations and health sectors and forced private institution to dismiss trade union activists and any political party members specially communists. This dismissal started immediately after the pro-Islamic coup of  June 30. 1989 and is still on. The same happened in the army and police forces. Any Sudanese who is not a member or a supporter of the Islamic movement was dismissed.
Opposition groups are hoping for the occurrence of a crackdown in the Sudanese Armed Forces and the Police  Force to stop the secret Islamic militia “People’s Security “ and the Janjawid from mass killing of the demonstrators. Opposition military forces of the revolutionary Darfurians,  SPLA in Nuba  mountains and in Southern Blue Nile are located in remote places too far from big urban centers and Khartoum. Lack of logistics prevents them from deploying forces to protect peaceful demonstrators.
International support is badly needed by now to stop the government from afflicting brutal massacres as the ones that happened in Sep. 2013. International silence about the mass killing of 300 civilians in the streets of Khartoum was met with deep frustrations as the Sudanese people found themselves alone in front of ISIS-like brutality.
Nov.27.2016


Friday, 4 November 2016

جليد نساي (3/3)



جليد نساي (3/3)
قراءة في رواية الرجل الخراب
عبد العزيز بركة ساكن
الجزء الثالث
مصطفى مدثر



سنتناول في هذا الجزء مسألة استلهام ساكن للهدمية الطاغية في قصيدة إليوت وأنه، أي ساكن، لم يشأ لهدمه نهاية أو حل. وكذلك نتناول مسألة البلبلة التي يحدثها استلهامه الآخر المتمثل في تبديل اسم الرواية، ونقترح سبباً لإختيار ساكن أن يكون درويش طبيباً صيدلانياً، كما نناقش التجريب في الرواية وأزمة النهاية. فإلى الجزء الأخير من المقال.
أبدأ ببعض الأفكار حول اسم الرواية.
إن الإرث الدلالي لكلمة الخراب في عنوان الرواية يبدو كافياً لقبول اسمها، الرجل الخراب، ولكن عندما نعرف من الرواية أن اسمها الحالي كان قد خضع لعملية تغيير مرتين فإننا نرى أن توسيع دائرة الفحص الدلالي قد يعيننا إلى فهم أحسن للأصول الابداعية للرواية. فاسم الرواية تحوّل تحوّلاً محكياً عنه من أزهار الليل إلى مُخرّي الكلاب واستقر عند الرجل الخراب. وقصيدة اليوت نفسها تحوّل اسمها، ربما مرة واحدة، ليستقر على الأرض الخراب. وهذا استلهام آخر للقصيدة نرصده هنا ولا ندعي الحصر.
إن المقصود هنا أن هنالك تعارضاً في دلالة الخراب في الاسمين. فبغض النظر عن كون القصيدة تعد من أكبر محاولات الإبتعاد عن التناول المباشر للأشياء أدبياً، وأنها مستودعاً هائلاً للإحالات وأن مجمل قولها هو الشكوى عن عقم حياة المدينة المعاصرة، فإن دلالات الخراب فيها تتعلق بالنظرة للحياة والحضارة وتذهب بها للدعوة للعودة إلى تجدد الميلاد من خلال الروحانيات. بينما الرجل الخراب، هو كائن ذو عقل بشري محدود غير متسق مع مرجعيته الفكرية وأفعاله مجرد اذعان لاملاء الظروف، فهو بالتالي لا يمكن الوصول إليه عبر مشتركات تحققها شخصيته. فالمشكلة إزاء درويش هي قلة الداتا، في الرواية، التي تؤيد الزعم بأن شخصيته من التعقيد المعرفي بحيث يتمثل ذهنه دقائق التحوّل الذي استوجبه عليه بحثه عن حياة أحسن، في عالم مختلف. وهذا الزعم ليس مصدره المؤلف، الحقيقي أو الضمني، بل على العكس لقد حرص المؤلف على الحديث عن قلة ثقافة درويش وعن شح علاقته بالكتاب رغم أنه خريج جامعي. فأظنني أكون قد وقعت على أول نقيض للاستلهام من القصيدة، إن أنا أحسنت تبيانه.
في الفصل الأخير من الرواية، يقوم درويش بفحص أصدقائه، بعد أن خرج من بيته تاركاً زوجه وإبنته مع صديق الابنة، بحثاً عن العون. ويقدم لنا المؤلف ملامح سردية لعلاقات درويش بهؤلاء الأصدقاء نرى فيها وجهاً من أوجه التعاطي الثقافي مع الآخرين. فهناك علاقة درويش براهبٍ مسيحي وبمثقفٍ كردي وصيدلي نمساوي. لكن هذه العلاقات لا تبدو كافية لكي تتجذر علاقة درويش بالثقافة لمستوى التعالق مع نص في صعوبة نص قصيدة إليوت، ولعل ضحالة أو سطحية تلك العلاقات هي التي جعلته يعدل عن أن يطلب عونهم حين حمي وطيس أزمته. ومن المفيد أن نعرف أن درويش لم يقع على أدب غربي إلاّ سماعاً من زوجته نورا وأن نورا التي تحب الأدب لم تكن تعرف قصيدة إليوت التي طلب منها أن تقرأها له ولم تحبها. في الحقيقة حرص المؤلف منذ بدايات الرواية على تأكيد رقة حال درويش الثقافية بتلخيص علاقته في بعض عناوين الكتب العربية حين كان في مصر و كتابين، أحدهما مرجع في الصيدلة والآخر مصحف قرآن صغير الحجم، في اوربا، ثم نقرأ لدرويش قوله "أحياناً كنت أظن أن القدر جمعني بنورا من أجل ت س إليوت" لكن هذه المعرفة الجديدة وفي سنه العمرية المرصودة في الرواية تبدو مبتعدة نوعاً عن التخييل الواقعي mimesis . وإذا استطردنا في تأصيل علاقة درويش بالثقافة فإننا نلاحظ أشياء هامة اعتمدها ساكن في رسم شخصية درويش. فدرويش شخصية مصطنعة بشكل يفي بمقتضيات الأثر الدرامي الأعظم، شخص لا تملك إلاّ الصغار والشجب تجاهه قبل أن تأخذك القراءة بعيداً في الرواية. شخص يمكن التكهن بكل ما يقوم به لكنه يمكن أن لا يقوم بأي شيء. فهو لا بطل، وصعب ومعقّد ومؤلم، وقصته تراجيديا من صنع يديه. ودرويش  سوداني، مصري، أي كائن مزدوج في حيرته الثقافية. ثم هو صيدلي، أي منتم لقطاع يندر أن تضطره ضائقة اقتصادية لنوع الهجرة التي تكبدها، ولعله مناسبٌ أن اضيف هنا استلهاماً قد لا تبدو أهميته للوهلة الأولى ولكنه يستحق التوقف عنده. إنه اختيار أن يكون درويش صيدلياً. فعلى الرغم من عدم أهمية أن يكون لدرويش مهنة، لأنه لم يمارسها إلاّ في لحظة باكرة من الرواية، فإن هذا الاختيار قد يقع في صميم وفاء ساكن لفكرة استلهام قصيدة إليوت. فالصيدلي، أو الكيميائي، هو مَن نصح إحدى شخصيات إليوت في القصيدة بأخذ أقراص للاجهاض، لكنها بعد أن فعلت لم تعد لنفسها طبيعتها.
The chemist said it would be alright, but I’ve never been the same.
وعلى كلٍ، فالصيدليان في العملين يبدوان فاشلين في مهنتهما. ومن ما أبانه المؤلف أن درويش تعرض لنفس الذي يتعرض له الأشخاص الذين لا تحرسهم ثقافة حقيقية فتم تجنيده من قبل أهل الوعي الزائف أو الجماعات المتطرفة. والرواية تحتوي على فصل كامل بعنوان الأجنبي يحكي مشكلة الهوية التي تعرض لها درويش في مصر، كون ابيه سوداني وامه مصرية ولكن لا شيء يغير من حقيقة أن هجرته أُعتبرت اقتصادية ولا علاقة لها باضطهاد عرقي، أو باختصار، "المحققون يحبون الكذبات الكبيرة" ودرويش لم تكن عنده إحداهن. ومن المناسب هنا أن أتطرق لنبيطة مصر في هذه الرواية. وكنت قد أبنت في مقالين سابقين أن وجود مصر في الروايات السودانية، الصادرة في عقدين أو أكثر، بات من ما يمكن التكهن به في أي رواية جديدة تصدر. ولا غرابة في ذلك لأن مصر، لأثرها وموقعها، لا يمكن تجاهلها. وما رميت إليه من استحداث نبيطة أدبية، اسميها الآن لأول مرة نبيطة مصر، هو خلق معرفة ودراسة لهذا الأمر وآثاره أو مجرد الاستمتاع برصده. والنبيطة هي ترجمة لكلمة device. ومجرد ذكر مصر فإن نبضاً ومشهديةً عالية تعتري العمل الروائي. ومن آثار الاستخدام المجدي لنبيطة مصر تلك الحبكة التحتانية subplot التي تحكي قصة البوروندية ناديا صوميل، فهي حبكة جميلة وتشير إلى انفتاح أفق المصير إن أحسن المرء في إقدامه على الحياة وتتناقض تماماً مع انغلاق الأفق الذي  يعاني منه درويش.
ع ب ساكن

إن فكرة الأرض الخراب، في القصيدة، هي فكرة صوفية أو هي دعوة ل" ادراك الحقيقة من خلال رموز الموجودات". أن الأرض التي خُربت كانت أساساً للخوف والضعة، وما موتها إلاّ بشير بانبعاثها في برزخ أبدي مشرق، وفق املاءٍ لفظي imperative أحادي هو Da والذي يأتي صداه ثلاثي اللفظ، داعياً للعطاء والرحمة وضبط النفس. وهذه الألفاظ تمتاز بها الهندوسية وديانات شرقية أخرى أخذها إليوت منها وضمّنها في قسم قصيدته الأخير، ما قاله الرعد. ولعل في عبارة إليوت في مقام آخر "أن الشعر فن لا شخصي، لذلك يجب أن يحدث انفصال كامل في داخل الفنان بين الإنسان الذي يعاني وبين الإنسان المبدع الذي يخلق" ما يعزز نظرته الصوفية. فلقد وضع إليوت، في قصيدته الارض الخراب، حداً للهدم الذي أحدثته الحرب وعواقبها، لكنّ ساكن استعاض عن فكرة الأمر الثلاثي الهندوسية بفكرة النهاية الثلاثية لروايته. فدرويش عمد إلى تخريب حياته بلا توقف، وبملمح صوفي حلاجي، وإن ترتب على ضيق أفقه وانكاره لحقائق الحياة المعاصرة، وإلى حد الإفناء. فنورا زوجه تقول في شهادتها في آخر الرواية "..ربما انطلاقاً من تلك الفكرة بالذات، هو الذي وضع خطة موته- كما اكتشفنا لاحقاً- وهو الذي كتب رسالة تقول إنه ينوي الانتحار، وعليها بصمات أصابعه وتوقيعه.." بينما كان الحلاج يقول "أريد أن أقتل هذه الملعونة" مشيراً إلى نفسه.
والنهاية التي اقترحها المؤلف وأقلع عنها قبل أن يذعن لنهاية تكتبها ثلاث شخصيات في الرواية، أو أي نهاية شبيهة بها، في تقديري، ربما هي أكثر النهايات ملائمة. وهنا شاهد على الاستلهام في فكرة النهاية الثلاثية يتبعه مباشرة نقيض للاستلهام في دوام فكرة الهدم حتى نهاية الرواية. نقرأ ما كتبه ساكن عن النهاية التي لم يعتمدها "فكانت خطتي لإنهاء الرواية.." وهذا الاقتباس، للمناسبة، هو من صلب الرواية نفسها…"تذهب إلى عودة درويش إلى مصر أو السودان مرة أخرى، هارباً بابنته ميمي من جحيم الفساد الأخلاقي والقيمي الاوربي.."
لقد قلت مسبقاً أن أحداث الرواية تبدو عادية ما خلا بعض اشراقات الحكي ولذلك فإن المؤلف، وهو لا شك ضليع في فنه، قد اعتمد على الإشتغال على مستوى طرائق السرد أو الإنتقال من الذي يُحكى إلى كيف يُحكى. وجاء أول ذلك في مطلع الرواية حيث يضعنا المؤلف أمام الأزمة مباشرة، تماماً كما تبدأ الكثير من القصص القصيرة. ثم ينتقل من زمن لآخر عبر استرجاعات عدة، وحشايا سردية، ومشاهد، ويعمل كل ذلك فعل السحر في القارئ. ولكن المؤلف يخوض، على مرأى منا، معركة غرائبية، يتم فيها إقصاء الراوي عن مهامه، وذلك لأن الراوي "شاء أن يهتم بحدثٍ تافه عابر وقع بينما كان درويش في طريق عودته لسلفالدن بقطار الرابعة والدقيقة الثامنة بعد الظهر." وينبغي علينا إدراك أن ما يزيد من غرابة هذه المعركة هو أن أطرافها ثلاثة وأن اثنين منهم محض خيال. فنحن إزاء المؤلف ع ب ساكن والمؤلف المفهوم ضمناً، وهو الكائن المتخيّل implied author والذي نعرف أنه كتب أعمالاً أخرى مستعيناً برواة آخرين، ثم الراوي الذي لا وجود له كشخصية في الرواية. وفي حيثيات حكمه على الراوي يورد المؤلف أن ما انتواه الراوي كان "سيورط النص الأدبي في ما يسميه بعض النقاد الكلاسيكيين الحرفيين: الخروج المريع وغير المبرر فنياً عن الخط العام للتحقق السردي.." ويستطرد المؤلف في رواية مشكلات سابقة له مع رواة آخرين، مثل ما حدث في روايته الخندريس حيث "عندما رغب الراوي في تحويل الرواية إلى مغامرة بوليسية، ولم يعجبني ذلك، وقمت حينها بتولي قيادة السرد بإسمي الشخصي في فصل بأكمله. كان الأمر مخجلاً بالنسبة لي ومرهقاً، أن أكون مؤلفاً وراوياً." ومبلغ علمنا أن الأكثر عرضة لعبء السخرية في هذه الحالة هو الراوي. لكن الراوي ليس شخصية حقيقية. ولئن كانت خناقة ساكن مع الراوي كبيرة، فإنها لا ينبغي أن تجعلنا ننسى أن ساكن أوكل لراوٍ غير مضمون، هو درويش نفسه، أن يحكي فصلاً هاماً بعنوان سيرة المرأة. فدرويش غير مضمون unreliable بشهادة المؤلف نفسه. وبالطبع فإن الروائي المتمرس مثل ساكن يمكن أن يأتي بأشياء عجبا. وأنا أعرف، مثلاً، رواية موت العراب، التي قام فيها المؤلف بالاطاحة ببطل الرواية بعد أن تعوّدنا عليه ونصب محله شخصاً هو إبنه كبطل جديد لنفس الرواية.
إن الاشتغال على السرد والتجريب في العمل الروائي هو أمر لا يتوقف ولكن يبدو أن مشكلة انهاء الرواية أو جعلها ذات نهايات متعددة، على الرغم من كونها نصاً مغلقاً يمكن فهمه وفق أعراف وتوقعات مألوفة راجع الفقرة الأخيرة، أو ختمها بطرد الوقائع بكيفية تجعلها تتبدد في ناحية من الغلاف الداخلي الأخير. كل هذه ليست أموراً وشيكة الحسم لأن الناس، بحسب نقاد كثيرين، يؤولون العالم وفق البدايات والنهايات، أي حسب مبدأ الغائية. وكما ذهبت مدرسة شومسكي للقول بوجود جين لغوي فإنه ربما طلع علينا أحدهم بجين للختام. فكلنا نعشق النهايات وقد نرى فيها بدايات جديدة. وهذا يعني أننا لا زلنا نثمن عالياً التوقعات التي بنتها فينا الطرائق والتقاليد الروائية، وأنه لا زال هناك الأدب المعياري canonical الذي يحظى بسمعة طيبة، كلٌ في حيزه أو إقليمه أو يسهل الإجماع حوله. وفي المعياري يقف منتصباً، لا زال، إطار أرسطو المعروف ليردم الهوة بين ما حدث وما يراد له أن يحدث. إن النهاية التي لم يعتمدها ع ب ساكن هي التي تستجيب لتعاطف القارئ و" تصعد بحزنه لتفجّره، فتخلي نفسه من أحزانها المصيرية."، أي تولّد فيه عاطفة تفعل فعل الدواء الملطف للمزاج cathartic دون أن نغفل أن الذي يبكينا أكثر قد لا يكون أدباً جيداً. ونظرية أرسطو رغم تعرضها للنقد المرير من أعلام مثل جورج أورويل، سولزنتسن وبرتولد بريخت وغيرهم إلاّ أنها لا تزال حيوية.
إذاً، وفي تقديري، فإن أزمة نهاية الرواية هي ما حمل ساكن على هذا النشاط المحموم والعالي المهنية والذي لم يكن بلا آثار جانبية، سواء على مستوى الفكر كأحد عناصر الحبكة، أم عن اللحظات غير الخيالية اقرأها غير الروائية،  أم على مستوى استجابة القارئ.
تأتي في بنية الرواية خصيصة التعقيد الفكري، ما استقام من فكر وما انجلى. ما كان ينبغي لدرويش أن يتعلمه من أزمته لأنه "أفكاره أيضاً حدث فيها بعض التغيير الذي يصفه بالايجابي، لأنه ما عاد يرى البشر إما كفاراً أو مسلمين" وأن فكرة قبوله بالمجتمع الأوربي، الجديد عليه، لم تكن صعبة، وان تدخل فيها البوليس أحياناً، بالنظر لامتيازاتها. إن موضوعة الهوية وكراهية الآخر والحريات لم تحظ بشرح كاف ولا عجب فالرواية قصيرة، شاء لها كاتبها أن لا تسع صراعاً فكرياً، كان يمكن أن يتم من خلال وسائط حكائية أو حوارات عميقة تسمح للقارئ باستدعاء مصائر أخرى مغايرة. وتأتي هذه الخاطرة كأمنية بأن تكون سردياتنا الكبرى هي التي تضع على المحك وتناقش الأسئلة التي لا بد من جوابها قبل أن نصير أمة.
لقد مرت بالرواية لحظات nonfictional إنوجدت فيها شخوص واقعية حيّة داخل بنية الرواية. أشخاص أحياء عند ربهم يرزقون. لا بأس، هنالك أيضاً في الشعر، مثلاً، لحظات غير شعرية. لكن هذه اللحظات قد تغدو مصدراً لانزعاج القارئ فمثلاً ومنذ بداية الفصل المسمى درويش يحس القارئ بوجود راو آخر، غير معرّف، يبدو أنه الراوي الضمني أو هو المؤلف، فهنا تحدث بلبلة، بمعناها العادي وليس الفني. ثم تمضي الرواية لنقرأ: "الراوي أصر اصراراً بالغاً على وضع النقاط على الحروف… على كل سأحكيه هنا بشيء من التحفظ لا بأس به، أي بالقدر الذي لا يقلل من قيمة العمل الفني أو يخلق ارتباكاً لدى القارئ." ويتدخل هذا الصوت الذي لا نملك دليل على أنه المؤلف نفسه ليقول: "فمن غرائب الأحوال أن هذا الراوي لا يحب الحوارات." إلى أن نقرأ: "قد يتوقع القارئ الكريم...أن الرواية منذ هذه اللحظة سوف تمضي في ثلاثة محاور…" ونحن نعرف وعي المؤلف بهذا الأمر بل هو قد صدّر روايته ببيت الشعر المأخوذ من بودلير، أيها القارئ المرائي يا شبيهي يا أخي، ثم قال عنه "أما القارئ المرائي المغامر الصعلوك..فقد يكون له رأي آخر. لا ندري ما هو بصورة قاطعة." فيبدو أن القارئ مستهدفٌ بالنشاط التجريبي الذي قام به المؤلف وأنه إما أن يكون محباً للأدب أو قارئاً متمرساً، سيجد متعة في الأجزاء الأخيرة من الرواية التي تشبه ورشة عمل حول طرائق كتابة الرواية، أو يكون مستهلكاً عابراً، سيجد أن نفس هذه الأجزاء المذكورة تحكي عن أزمة في كيفية انهاء الرواية وحسب. ومن زاوية نظرية استجابة القارئ reader response في تصريفها الفرنسي عند رولان بارث يمكن أن تنتقل المسألة لأزمة في هوية الرواية نفسها، هل هي نص قارئي readerly، مغلق، يجود على القارئ بفهم واحد. أم هي نص كاتبي writerly، مفتوح، يمكنك انهاؤه كيف تشاء.
ختاماً، طابت لي، بحق، قراءة هذه الرواية لما يميزها من سيولة في اللغة ولما فيها من جهد الكاتب العارف بأدواته وموظفٍ لها بحكمة واقتصاد، وما كتبت هذا إلاّ ملتزماً بطريقتي في أن أعبر حيثما وسعني التعبير.





Sunday, 23 October 2016

حكاية البنت التي طارت





كنا قاعدين في شرفة منزل صديق جديد في مدينة صغيرة نزورها لأول مرة. الشرفة أرضيةٌ بها أصائص ورد ويفصلها عن الطريق العام سياجٌ معدني تنبثق منه تماثيل صغيرة لملائكة.  وكنت على وشك أن أقول شيئاً عن جمال تلك الجلسة المسائية في المدينة النابضة لكنني انشغلت عن ذلك. كانت فتاة بملابس سباحة ضيقة قد ظهرت في بلكونة بالطابق الثالث للعمارة المواجهة لمجلسنا.  تعثرت الفتاة قليلاً قبل أن تنتصب على كرسي أو منضدة صغيرة، ثم فجأة طارت من مكانها مبتعدة عن البلكونة. لوهلة بدت كأنها فشلت وستقع لكنها شدت جسدها وحركت يديها وقدميها فاندفعت إلى الأمام وانسابت أفقياً في محازاة بلكونات الطابق الثاني تحتها ثم حطت برشاقة على الارض وجرت فدخلت المبنى لتظهر مرة أخرى على نفس البلكونة. وهذه المرة كان معها رجل يلبس قناعاً أخذ يقبل جبينها.
طبعاً لفتُ نظر الناس الذين كانوا معي منذ أول لحظة، وشاهدوها عندما حطت على الطريق، وصرخوا من هول الأمر وقال أحدهم، كيف تطير بلا أجنحة وكان رد زوجته جاهزاً، خداع بصري.  وقال آخر، لا وقت عندنا لمعرفة ما إذا كانت هناك خيوط فتدخلت صديقته وقالت إن أشياء غريبة كثيرة تحدث بلا خيوط. بيد أن تفسير الفتاة المرافقة لأحد الزوجين وهي فتاة صغيرة بدا لي غريباً لأنها قالت فرويد وصمتت ولم يحفل أحد بطلب توضيح منها فسارعت بالقول إن الشيخ يوسف يقول ربما هو حمل باكر فقال شكاك، هذا هو أفضل تفسير فقلت له، أو يكون قد عاونها كائن غير مرئي. وشكاك هو الصديق الذي كنا نزوره، والذي إلتفت بعد حديث البنت الفرويدية يسألني، ألم تلاحظ ان الطريق كان خاليا من السيارات؟ وطبعا لاحظت، الذي حيرني هو أنه كان مولياً ظهره لما دار ولم يبد أي دهشة. فقلت له هذه البنت طارت تماماً.  فضحك وقال لي، أنها مجنونة مثل أمها، سالته كيف، قال هل لاحظت الرجل المقنّع، قلت، نعم، قال إنه يحضر لإعطائها دروساً، سألتُ، دروس في ماذا، قال، لا أحد يعرف لكنه أيضاً يعود آخر الليل ومعه عدد من أصدقائه السكارى وفي البيت أكثر من بنتين، ثم ذم شفتيه. قلت له هذا الحديث لا علاقة له بطيران الفتاة، فوضع على وجهه تعبير أنه يعرف أكثر. وشكاك  هذا معروف بأنه صاحب حس سياحي ويحبُ أن يخدم الناس فدعانا لبقية البرنامج الذي أتينا له قائلاً هيا بنا فخرجنا.
رحنا لأكثر من مكان. المدينة فعلاً مليئة بالمقاهي والسواح وأهلها ملفوفون داخل سحر لطيف وسماؤها تباغتها أضواءٌ ملوّنة من حينٍ لآخر . مررنا بدار سينما كان مزدحماً بشكل لافت وقالوا إنها تعرض فيلم خيال علمي فعادت إلى ذهني صورة الفتاة الطائرة. بدا لي أنها كانت حريصة على أن تومئ برأسها لكل بلكونة مرت بها. وفي وهلة رمت سيدةٌ، كانت في يدها فوطة بيضاء، نصف جسدها من النافذة لترى مرة أخرى ما لم تصدقه. وكذلك تذكرت شيئاً آخر لكن مطافنا كان قد انتهى إلى مقهى صغير، دخلناه تباعاً وجلسنا بالقرب من رجل عرفه شكاك وحيّاه. وكانت مع الرجل إمرأة بدا على وجهها الإمتعاض. طلبنا شاي وفطاير وآيس كريم و تحدثنا عن المسافات بين المدن وأهمية العطلات، وحضّرت في ذهني تصوراً محسّناً لحكاية البنت التي طارت، ما إن فكرت في طرحه حتى أدار شكاك جهازاً صغيراً كبير الصوت فخرجت منه نكات سريعة ومتتابعة استسلم لها الجميع وأكلوا جراءها بتلذذ ظاهر. كانت الفتاة صاحبة تفسير فرويد غير المشروح قد إلتهمت كميات من آيس كريم الشوكولاتة غير عابئة بتعليق المرأة التي أتت بها حول حب الشباب وأثر الشوكولاتة عليه، لكنها بعد قليل تحدثت عن عدم توازن هرموني يعالجه الزمن، فسألها أحدنا، كيف. فقالت له وفمها ملآن بالآيس كريم، بالزواج. لقد كنت متأكداً أن الشوكولاته ستقفز بها حاجز الإجابة العادية ثم، سمعت المرأة الممتعضة تقول للرجل: هذا السافل يلعب بالبنت، كيف تسمح  له أمها بأن يجعلها تطير؟ الرجل قال لها، لا عليك فهي كانت نائمة. فقالت له، هذا كذب لم تكن نائمة. لكن الرجل بدا أكثر حزماً في إجابته فكرر، كانت نائمة. لقد نامت بالضبط لمدة ثلاثين ثانية. سألته المرأة، وكم طارت، فقال، طارت أربعين ثانية، سألته، ما هذا الحساب؟ طارت خارج تنويمه لها، كيف ذلك؟ وبهت الرجل لكنه قال، لا أحد يدري، هذا كل ما جمعته الشرطة، سألت المرأة، هل وجهتم له أي تهم؟  لا، أمها قالت إنها تتابع كل شيئ وراضية عنه، صمت ثم أضاف، البنت نفسها مبسوطة جدا وقالت انها قريباً ستطير بلا رجعة، ثم وجم الإثنان وكذلك أنا. قلت في سري أنت لا شك تعرفين كيف تهبطين. وتوقفت عن لعق الآيس كريم إذ تذكرت كيف حطت على الأرض فقلت لشكاك هامساً: أنا أيضاً أعتقد أنها لم تكن نائمة، لقد تم هبوطها بمهارة ولم ينقصه سوى الأزيز. هبوط عظيم ولكن لقد بدت مؤخرتها وهي تنزلق على الأسفلت كبيرة للغاية مقارنة بحجمها. أعتقد أنها لم تكن نائمة، إنها فقط طارت. قال شكاك في هدوء، أنها طارت مسافة أطول بالأمس حتى أن أحد أفراد الشرطة كان على وشك سحبها للمخفر لكنه غيّر رأيه حين أشارت له إلى منزل أهلها.
فكرتُ لماذا لا يعني شيئاً طيران فتاة بالنسبة لشكاك فهو يؤكده الآن ولكن بلا حماس. بيد أني آثرت أن أسمع ما يدور في الطاولة المجاورة من ما لا تستطيع النكات أن تعلو عليه. كانت المرأة تقول لجليسها، لابد من ايقاف هذا العبث. إذا طارت جيداً فمعناه أن كل الفتيات.. ولم تكمل بل قالت جملة جديدة وقراراً: الجميع سينبهر بهذا الجنون. هيا بنا نفعل ما يمكن فعله وخرجت ومعها الرجل.
ثم خرجنا نحن خلفهما ومشينا وراءهما لمسافة قبل أن يختار لنا شكاك نقطة افترقنا فيها عنهما. وفجأة وجدتني أفترعُ أغنية تقول، أحلم أني نسر وأحلم أني أنشر جناحيّ وأطير عالياً عالياً، إنني طائر في السماء، إنني نسر يمتطي النسيم، هاي هاي، وتقول الموسيقى وراءي ماهو أشبه بلا إله إلاّ الله(1)، ولم أكن أدري أنني أجيد تلك الأغنية فلقد تقافز الآخرون حولي ورددوها بمزاج، يتقدمهم شكاك الذي أخرج من جيبه ألعاب نارية بعثرها فوقنا. لكننا سريعاً ما انتبهنا لصوت زاجر بعيد، استبعدنا أن يكون موجهاً لنا، أعقبه أزيز لم ندر مصدره فإندفع إثنان منا يركضان أمامنا بلا سبب ثم تراجع أحدهما عن قفزة فوق شجيرة عالية.
سرنا، بعد ذلك، صامتين  لمحطة القطار، وسط زحام الخارجين من فيلم الخيال العلمي. عنّ لي تعليقٌ على ذلك الزحام أحجمت عن قوله لهم. أظنه كان تعليقاً يربط بين حكاية البنت التي طارت وإسم الفيلم، لكنه طار من رأسي، هو الآخر.
انتهت

Sunday, 25 September 2016

افتقاد الغياب



    IMG_20150704_165222717.jpg


    • فكرة افتقاد الغياب، من جراء الإتصالاتيه الفاجرة، فكرة أشرقت عليّ وأنا أقود سيارتي صوب مجهول تستسهله الخرائط وانبثاقات الطرق بقدر ما هي تقصيه. الصورة أعلاه أخذتها في اللحظة التي بدا فيها الغياب مهولاً، لا تحتويه فكرة إفتقاده. كما لو أنها المرة الاولى التي يبدو فيها العالم كبيراً، كبيراً، مثل ما هو دائماً حين نكف عن سذاجة نظرتنا إليها من خلال عدسة. أليس بائساً أن نقتنع بفكرة رؤية العالم من خلال عدسة. ولماذا عدسة وليست دليبة أو بُرمة؟ لماذا ينطوي تآنسنا مع الوجود علي خُفية وتلبد؟ لماذا نتلصص من خرم في باب الحياة، لهذا الكثير المنبهل أمامنا؟
    • الفكرة أن تفتقد الغياب وتشتاق لفصم عروة، disconnect في لحظةٍ ما وتستثمر ذلك في إعادة ترتيب قوامك الرقمي من فوضى المعرفة التي تعتريه. أن يلقي بك الطريق قرب هوة صديقة أو ينبجس غديرٌعن طائر بين فكيه سمكة، ثم لا يلبث يصعّد، يتصعد، إن شئت، كأنه يعلم أن بسيارتك كوةً عليا مفتوحة على السماء، وأنه قد راقه أن يدلي إليك العشاء بسمكة، ولات حين ديجيتا!
    • أنت أمام عالم لا يعتد برقمية خلعوها عليه. فبما إلفة قديمة مع السماء ذللت صعاب التكنجة، من التكنولوجيا.
    • أم أننا في أول المدى؟
    • لا شيئ من عوامل الطبيعة يشتمل إعتذاراً، يحتمل اعتذاراً. الطبيعة ليست مهووسة بالأخلاق ولا لها مناهج تصلح للبشر وان فعلت لفضّل أكثرنا البقاء في مرحلة الأساس. وسيكون فيهم ما يكفي من الأغبياء، كالعادة ولمعلوميتك.
    • أنا في تانية روضة، بحسب مناهج الطبيعة. شاطر جداً. أعرف أن نيبتون له أطواق يلعب بها هيلاهوب، أو أن المذنب الذي مر من هنا قبل سنتين بدا غاضباً ومسرعاً ولم تغيّر في احساسه شيئاً حقيقة (؟) أنه سيعود بنفس السرعة ونفس الحُنق بعد ألفين من السنين.
    • وخذ عندك، أن الفراشة التي حطت على سيارتي لم يبد عليها أي إرتباك، كأنني من سكان الوادي، واديها هذا. طيب ولماذا أنا مرتبك؟ أم أنها محض ترقيمة منى؟
    • لكن فصم العرى، ال disconnect ، غير ممكن في أغلب الأحوال.
    • هل بمقدورك أن تأخذ اجازة لمدة شهر لا تفتح فيها ايميل ولا ترد على رسائل الواتساب ولا ترهات الهاشماب أو المكابراب؟ ولا تغريدة؟ أحدهم وصف هذا الانقطاع بأنه غسيل رقمي digital detox، نزع سُمية رقمية، وكلها ترجمات غير كامدة وشافية بمقارنتها بدرامية، وشيئ ما كلاحة، الكلمة في اللغات الأوربية. المهم أن فكرة الانقطاع أو القطيعة بمعناها الفلسفي تطل برأسها. إنها فقط تبدو هنا ضرورية كوسيلة لكسر الطوق الرقمي الذي إرتأينا، خفافاً، أن لابد منه.
    • انقطع ياخي، انبت وإقطع أرضاً...ولا تبقي ظهراً!
    • فحللت مدينة غريبة عليّ. سكانها 5 ألف نسمة. حاجتان تأكدت منهما. أن 5 ألف وواحد سينامون هنا الليلة والتانية أن 5 ألف شخص يتداولون الآن على الموائد خبر وصول الغريب إلى المدينة. الاحساس يتراوح بين هجس النفس وغموض الآخر. احساس قوامه الارتعاد. ارتعاد تمليه الزعزعة. والزعزعة يمليها الطريق. والطريق كان محاولة في الانقطاع. والانقطاع تعذر.
    • كانت محاولة لها لاحقاتها. لا بد من ضياع ما يوماً، فقط تحسس غيابك. شوفو مالو.